بقلم الاستاذ: حسين بوباصير
المقدمة
الحمد
لله، خلق فرزق وعلّم فألهم، وهدى للّتي هي أقوم، وأشهد أن لا إله إلّا الله به
أستعين، وأشهد أن ّمحمّداً عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، ذكر القرآن شكواه عن
قومه فقال: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا
الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، صلّى الله عليه وسلّم تسليماً
كثيراً.
أمّا
بعد، فإنّ ظاهرة هجران القرآن من أكبر ما ابتُلِيَت به الأمة التي شرّفها الله
بالقرآن، فقد سقطت في براثين هذه الحالة، ولم تستطع التخلص منها، بل إنّ الشعور
بمخاطر الهجران يكاد يتلاشى بسبب ما ألِفته منها مع مرور الوقت حتى تحولت إلى
ظاهرة متأصلة، وحالة ملازمة عند الكثيرين، ولا شك أن هذا القرآن إنما جاء لصلاح
البشر ... لكن أكثر الناس اتخذوه مهجورا وجعلوه وراهم ظهرياً ...
وعليه
فإنه من خلال هذا البحث نريد الإجابة عن السؤال التالي:
"ما أثر هجران القرآن في
السلوك الإنساني؟" وما سبب هذه الظاهرة؟؟
الفرضيات: يحاول هذا البحث إثبات الفرضيات
التالية:
- يؤثر هجران القرآن سلباً على السلوك
الإنساني.
- كُلَّما زاد هجران القرآن تراجعت
أخلاق النّاس.
- كُلَّما زادت مدارسة القرآن
والاشتغال به تحسن السلوك الإنساني.
أهمية
البحث:
لهذا البحث أهمية بالغة لحاجة الإنسان المسلم إلى كتاب ربه لينير دربه ويصلح شؤونه
كلّها، وذلك لأنّ:
1-
ملازمة
كتاب الله يمنح الإنسان السلام بجميع أبعاده.
2-
التزام
القرآن الكريم عقيدة وأخلاقاً وتشريعاً في ذواتنا أوّلاً فيظهر في سلوكنا من شأنه
أن يشجّع الآخر أن يعتنق هذا الدّين بكل ارتياح.
3-
تحقيق
مقاصد: التمكين والاستخلاف وقيادة البشرية إلى بر الأمان وإلى أملها المفقود وملء
الحياة بأسباب النفع للجميع في الآجل والعاجل، وكلّ ذلك لا يتم إلَّا في كنف
القرآن الكريم.
أهداف البحث: من
أبرز أهداف هذا البحث:
1-
التنبيه
إلى إحياء بعض الفروض المنسية وأهمها ملازمة كتاب الله.
2-
إبراز
معاني القرآن من: شفاء ورحمة وهدى، وإخراج من الظلمات إلى النّور وتجسيدها كثمار
طيّبة تحسِّن السلوك الإنساني وترتقي بالقيم.
3-
محاولة
إدخال تقنيات البرمجة اللّغوية العصبية في تطوير المهارات والقدرات الذاتية وخاصة
على مستوى: الذهنية والحس القرآني والسلوك الإنساني.
4-
تحرير
وتنقية الأجواء من موانع ومغاليق وأغلال ساهمت في هجر النّاس للقرآن.
أسباب اختيار
الموضوع:
تنقسم إلى قسمين: أسباب ذاتية وأسباب
موضوعية.
1-
انشراح
صدري إلى كتاب الله منذ نعومة أظافري كون الوالد رحمه الله من حفظة القرآن.
2-
الانطباع
الشعوري الذي ينتابني أثناء وبعد التلاوة والحفظ.
3-
ممارسة
بعض التدريبات الخاصة بتطوير الذات بإدخال تقنيات البرمجة اللغوية العصبية على
دورات للقرآن الكريم.
ب)الأسباب الموضوعية:
1-
حاجة
البشرية عامةً إلى ركوب سفينة نجاة نتيجة ممّا تعانيه من خواء وضياع، فالقرآن هو
العاصم من القواصم.
2-
الاسهام
ولو بلبنة واحدة في بناء الصرح المعرفي، وذلك في علاج أهم أثرٍ من آثارِ الهجران
المتمثل في تراجع السلوك الإنساني.
3-
المساهمة
ولو بالنّزر القليل في إثراء الإنتاج في حقل البحث العلمي.
4-
إدخال
الجانب التطبيقي من أجل تعزيز القدرات الذاتية والتحفيز وشحذ الهمم.
الدراسات
السابقة:
بعد
الاطلاع على العديد من الدراسات السابقة التي لها علاقة من قريب أو بعيد ببحثنا،
والتي قدّمت من أجل نيل شهادة الدكتوراه أو من أجل تتمة نيل شهادة الماستر إلَّا
أنَّ أهم موضوعين يخدمان البحث الذي نحن بصدده هما:
·
الدراسة
الأولى
بعنوان "هجر الأمة للقرآن الكريم"، قدمت الطالبة فاطمة حميداتو
مذكرتها تكملة للحصول على شهادة الماستر من جامعة الشهيد حمة لخضر – الوادي للسنة
الجامعية 1439 ه – 2018 م.
حاولت الطالبة الباحثة إبراز خطر ظاهرة هجر الأمة للقرآن
والحد من انتشارها، وقد جاء في أهمية البحث:
1-
أهمية
الموضوع تكمن في تعلقه بدستور الحياة ومنهاجها، وهو الكتاب الكريم.
2- انتشار هذه الظاهرة بشكل كبير في
واقع المسلمين وأهل القرآن خاصة.
أما نتائج البحث فذكرت فيما ذكرت:
1- أنّه لا أحد أظلم ممن هجر القرآن
الكريم وأعرض عنه.
2- إنّ هاجر القرآن تتسلّط عليه الدنيا
... ويهمل الآخرة.
3- الجهل في الدين لأنّ القرآن هو أول
مصادر العلم والتشريع.
ومن التوصيات:
1- أوصي كلّ من لديه فرصة لتعليم القرآن
أن يجتهد في تعليم الكبار والصغار.
2- كثرة المدارس والقراءة بدون أخلاق
... ولذلك فهي توصي بملازمة حسن الخلق مع تعليم القرآن ومدارسته.
· أمّا الدراسة الثانية فمن
إعداد الباحث عمر بن عبد الحي حمدان آل شراب بعنوان "الهجر في القرآن
الكريم"، وقد قدم البحث استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في
التفسير وعلومالقرآن سنة 1433 ه – 2012 م، وقد ذكر في أهمية الموضوع باختصار
وتصرّف منّي:
1- حماية العلاقات الاجتماعية وزيادة
الترابط...
2- أهمية الهجر في تقويم مسار الأفراد
المخالفين عن منهج الإسلام وتحسين علاقتهم بالمجتمع.
3- تحديد ضوابط الهجر.
كما جاء في أهم
النتائج:
1- الهجر بين المسلمين عارض وليس أصلاً،
وهو حسب المصلحة.
2- ينبغي في الهجر تحقيق المقاصد
الشرعية.
3-
انقسام
الهجر إلى قسمين: مشروع وممنوع.
وجاء في أهم التوصيات:
1-
أوصي
الباحثين في سلك التفسير الموضوعي بتوسيع دائرة بحثهم.
2-
يحذر
من اعتماد كتب التفسير جملة.
3-
العمل
على عقد ندوات وورش عمل حول موضوع الهجر.
- وإذا كان لموضوع الرسالة الأولى علاقة بموضوع رسالتنا إلَّا أنّه
لم يأت بالجديد الواضح الذي يمكن إضافته إلى الحقل المعرفي بالرغم من محاولة
الباحثة إشباع نواحيه.
- أمّا موضوع الرسالة الثانية فإنّه
كان محصوراً في الهجر على المستوى الاجتماعي (مجتمع غزة). وإذ نتفهم ظروف الباحث
في غزة المحاصرة إلَّا أنّ خدمة موضوع رسالته لبحثنا خدمة مقتضبة أشرنا في بحثنا
إليها إشارة فقط، إلَّا أنّه من الناحية المنهجية فإنّه أجاد وأفاد وقد أفاض في
النتائج والتوصيات وقد ذكرنا منها جزءاً لا يتعدى الخمس مما ذُكر.
وعليه فإنّ موضوع رسالتنا هذا جاء
ليضيف إلى الحقل المعرفي ما تيسَّر من النقاط التي نحسب أنّها تخدم الأمة في سبيل
المساعدة على استرجاع دورها في الشهود الحضاري.
أهم النتائج
المتوصل إليها من خلال هذه الدراسة:
1- للإنسان طبائع وصفات عرّفها له خالقه
سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وما على الإنسان إلَّا بذل الجهد من أجل تغيير ما
بنفسه قصد الوصول إلى الاستقامة.
2- يؤثر هجران القرآن على السلوك
الإنساني.
3- تسوء أخلاق الإنسان كلما زاد هجره
للقرآن.
4- تكثيف التدريبات، وممارسة الدعوة على
أوسع نطاق إلى الانشغال بالقرآن يحسِّن من سلوك الإنسان.
5- رفع الموانع والأغلال عن الذهنيات من
شأنه أن يساهم في إنهاء حالة الهجر.
6- معرفة قدر القرآن لا يكون إلَّا
بتعلّمه ومدارسته ولو تعلق الأمر بالأعداء.
أهم التوصيات:
1-
التشجيع
على الرفع من مستوى الرسائل الجامعية والبحوث العلمية.
2-
ترقية
المخابر العلمية التي تعنى بعلوم وتفسير القرآن، وتزويدها ببعض المواد.
3-
الدعوة
الفردية للاشتغال بأداء الورد اليومي، وإعطائه حق التلاوة والتدبر.
4-
إقامة
الدورات التدريبية الخاصة بتطوير الذات والمهارات والقدرات.
منهج البحث:
اتبعت في دراستي البحثية هذه المنهج
الاستقرائي كمنهج رئيس في دراساتالتفسير الموضوعي، وكذا المنهج التاريخي في فتراتٍ
من تاريخ الأمّة، وبدرجة أقل المنهج التحليلي. وقد:
-عزوت الآيات واعتمدت مصحفاموحدا
برواية حفص عن عاصم.
-خرّجت الأحاديث الشريفة من مظانّها،
فما كان منها في الصحيحين كُفيت بها عناء البحث، وإلَّا نظرت في كتب أصحاب السنن
والمسانيد.
-بيّنت معاني الكلمات المبهمة -على
قلّتها- وذلك بالرجوع إلى المعاجم اللغوية.
-وثقت المصادر والمراجع في الحواشي
مبتدئا باسم ولقبالمؤلِفثم عنوانالكتاب دون ترجمة لهما لتحاشي الحشو.
-ترجمتُ للأعلام التي وردت أسماؤهم
في البحث مقتصراً على من غلب على ظني أنه مغمور.
خطة البحث: تتكون
الخطة من مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة.
المصادر
والمراجع:
· من كتب المعاجم:
-لسان العرب لابن منظور -معجم مقاييس اللغة لابن فارس
· من كتب التفسير:
-النكت والعيون لأبي الحسن الماوردي (ت: 450 ه) -تفسير البغوي (ت: 510 ه)
-التفسير البسيط لأبي الحسن الواحدي (ت: 468 ه) -تفسير العز بن عبد السلام
(ت: 660 ه) -تفسير روح البيان لصاحبه المولى أبي الفداء (ت: 1127 ه) -محاسن
التفسير لجمال الدين القاسمي (ت: 1332 ه) -التحرير والتنوير للشيخ محمد
الطاهر بن عاشور (ت: 1393 ه)
§ كيف نتعامل مع القرآن مدارسة مع
الشيخ الغزالي
§ كيف نتعامل مع القرآن العظيم للدكتور
يوسف القرضاوي
§ من المحاضرات والندوات: -طه جابر
العلواني -الريسوني وغيرهم
الفصل
التمهيدي: مدخل-ضبط المصطلحات-معاني ومفاهيم
تمهيد
المبحث
الأول: التعريف بالمصطلحات: القرآن، الإنسان، الهجران والسلوك
المطلب الأول: التعريف بالقرآن،
أسماؤه وصفاته
المطلب الثاني: التعريف
بـ:"الإنسان"، مشتقاته ومرادفاته
المطلب الثالث: التعريف بالهجران
والسلوك
المبحث
الثاني: آيات الإنسان والهجر في القرآن وعلاقته بطبائع الإنسان وسلوكه
المطلب الأول: لفظ الإنسان في القرآن
الكريم
المطلب الثاني: لفظ الهجر وتفسيره في
القرآن الكريم
المطلب الثالث: طبائع الإنسان
وعلاقتها بهجران القرآن الكريم
المبحث
الثالث: مظاهر هجران القرآن وأثرها على السلوك الإنساني
المطلب الأول: خصائص وأوصاف الأمة
المصطفاة الأساسية
المطلب الثاني: مظاهر الهجران في
القرآن الكريم
المطلب الثالث: أثر هجر القرآن في
تراجع أخلاق الإنسان
خلاصة
الفصل
التمهيدي: مدخل-ضبط المصطلحات-معاني ومفاهيم
تمهيد
عرض البحث مدخلاً ضبط فيه المصطلحات
الأربعة: القرآن، الإنسان، الهجران والسلوك، مع شيء من التفصيل في المعاني
والمفاهيم، ثم أورد آيات الإنسان والهجر للقرآن مع طبائع الإنسان وسلوكه ليخلص إلى
عرض خصائص الأمة المصطفاة، ثم مظاهر الهجر لينهي هذا الفصل بما مدى تأثر السلوك
الإنساني بهجر القرآن.
المبحث الأول: التعريف بالمصطلحات: القرآن، الإنسان،
الهجران والسلوك
المطلب الأول: التعريف بالقرآن، أسماؤه وصفاته
1)
القرآن:
لغة: اختلف علماء اللغة في المعنى اللغوي للقرآن على العموم[1]
فمنهم من قال بأنه:
1.
اسم علم غير مشتق من جذر
لغوي وغير مهموز (أي قران) وهو اسم اختص به الله سبحانه الكتاب الذي انزل على
النبي ﷺ كما هو منقول من قول الشافعي[2].
2.
وهو اسم
مشتق من القرائن كما ذكر الفراء لأن الأيات يصدق بعضها بعضا فهو من القرينات
المتشابهات وما ذهب اليه اللحياني[3]
وغيره من انه مهموز (أي قرآن)
3.
في الأصل هو
مصدر على وزن فعلان بالضم كالغفران والشكران والتكلان نقول قراته قروان وقراءه
وقرآن بمعنى واحد أي تلوته تلاوة وقد جاء استعمال القرآن بالمعنى المصدري في قوله
تعالى ان علينا جمعه وقرآنه.
4.
وذهب الزّجّاج[4]
وغيره إلى القول بأن القرآن وصف مشتق من القرء أي الجمع ومثال ذلك قرات الماء في
الحوض أيجمعته فيه وسمي القرآن بذلك لأنه جمع السور بعضها إلىبعض أو لأنه جمع
الثمرات وفوائد الكتب السماوية التي نزلت قبله.
2) القرآن: اصطلاحا: يعرف القرآن الكريم اصطلاحا بأنّه كلام
الله تعالى[5]
المعجز الموحى به إلى النبي ﷴﷺ بواسطة الملك جبريل عليه السلام المنقول بالتواتر
المكتوب بين دفتي المصحف المتعبد بتلاوته المبدوء بسورة الفاتحة والمختوم بسورة
الناس.
والمقصود
بالمعجز أي أنه معجزه الله عزّ وجلّ للنبي ﷺ لتأييده وتتمثل في فصاحة القرآن
وبلاغته وما جاء فيه من قصص الأمم السابقة وإخباره عن الغيب، وما تضمنه منإعجاز
علمي وتشريعي.
ويكمن هذا الاعجاز في تحديه للقوم الكافرين بأن يأتوا
بمثله أو بعشر سور منه أو حتى آية واحده من مثل آياته كما أنه أبقى على هذا التحدي
قائما ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلْ
لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا
الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾
[الإسراء: 88]
والموحى به القرآن الكريم بألفاظه ومعانيه منزل من الله
تعالى على النبي ﷺ، والمتعبد بتلاوته أيتلاوة القرآن الكريم عباده وقربه يتقرب بها
المؤمن من الله تعالى ويجزى بذلك خيرا كما ان الصلاة لا تصح الا بقراءة آياته وفي
الحديث: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"-رواه البخاري-،
وهو منقول بالتواتر أي من جمع إلى جمع بحيث يستحيل
تواطؤهم على الكذب في نقله، فمن النبي ﷺ تلقاه الصحابة رضي الله عنهم مشافهة
ونقلوه إلىجيل التابعين من بعدهم بحيث يجزم بصدق النقل ودقته[6].
3) أسماء القرآن: عد بعض العلماء خمسين إسماً للقرآن الكريم، ومنهم من عد
خمسة وخمسين، وهناك من عد تسعين، إلا أن المحققين من أهل العلم ذكروا أربعة فقط،
وهي:
القرآن، الكتاب، الفرقان، الذكر، وقالوا أن غيرها صفات للقرآن
الكريم
·
فقد قال
اللهعزّ وجلّ: ﴿حم وَالْكِتَابِ
الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: 1-2]
·
وقال عزّ من
قائل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ
الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]
·
وقال سبحانه
وتعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ
أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ
مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 50]
4) صفات القرآن: وقد جاء في قوله تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالتنزيل
كما ورد في هذه الآية صفة من صفات القرآن كما جاء في مختلف الآيات من مثل قوله
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت: 41]، ﴿وَنُنَزِّلُ
مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾
[الإسراء: 82]، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى
لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ
اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا
الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185].
وجاء في
الحديث ذكر صفات وخصائص القرآن الكريم في حديث جبريل[7] عندما أخبر
رسول الله ﷺ "انها ستكون فتن قال فما المخرج منها يا جبريل قال كتاب الله فيه
نبأ ما قبلكم وفيه ما هو كائن بعدكم وفيه الحكم ما بينكم وهو حبل الله المتين وهو
النور المبين وهو الصراط المستقيم وهو الشفاء النافع عصمه لمن تمسك به ونجاة لمن
اتبعه لا يعوج فيقوى ولا يزيغ فيستعتب ولا يخلق على كثره الرد ولا تنقضي عجائبه هو
الذي لا تلتبس به الاهواء ولا تشبع منه العلماء هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته ان
قالو إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلىالرشد فأمنا به، من وليه من جبار فحكم بغير ما
فيه قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره اضله الله ومن قال به صدق ومن عمل به اجر
ومن اتبعه هدى إلىصراط مستقيم".
ومن صفات
القرآن الكريم، "القول الثقيل"، واذا كان كذلك على رسوله ﷺ فقد يسره
الله لنا ومن اوصافه الكثيرة المذكورة في القرآن الكريم وصف "العزيز"،
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ
لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ
خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾
[فصلت: 41-42]
"الروح" في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا
مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا
الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ
نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ
لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]،ومن الصفات كذلك:
الهدى،البلاغ والبشرى ، قال تعالى: ﴿هَذَا
بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ
وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: 52]
وفي القرآن
الأحزاب والأجزاء والأرباع والنجوم والسور والآيات كل آية فيها معنى الاعجاز وفيها
معنى التحدي.
المطلب الثاني: التعريف بالإنسان، مشتقاته
ومرادفاته
1) تعريف
الانسان: قالت العرب
في تصغير "أنيسيان" إلا أن الياء الأخيرة دلت على تكبيره، ولما كثر كلام
الناس فيها حذفوها، وإذا كان الإنسان في الأصل إنسيان فهو على وزن أفعلان من
النسيان... وقيل سمي الإنسان إنسانا لأنه عُهد إليه فنسي، ولأنه يأنس[8] بكل ما
يألفه. وقد ذكر الجوهري في "صحاحه" أن لفظ "إنسان" يطلق على
المذكر والمؤنث[9]
فيقال للمرأة: إنسان كما يُقال للرجل.
2) الانس: والجمع وناس وهم الانس فقولنا رأيت بمكاني كذا وكذا
انسا كثيرا أيناسا كثيرا والانسي منسوب إلىالانس وهو البشر والواحد انسي والجمع
اناسي والانس هم بنو آدم
3)
البشر: الخلق والانسان الواحد رجلا كان أوامرأة واحدا أو جميعا
فيقال هو بشر وهي بشر وهم بشر كما أنه يأتي مثنى حيث قال تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ
مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: 47]ويجمع قياسا
على أبشار لكن العرب لم يجمعوه واكتفوا بتثنيته.
والخلاصة أن
لفظ البشر يقصد به الخلق والانسان الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء.
4) الناس: إسم جنس يطلق على السلالة الآدمية والأناس لغة في الناس
وكذلك النات بالتاء لغة في الناس وحكم سيبويه الناس، الناس أيالناس بكل مكان وعلى
كل حال وفي قولهعزّ وجلّ: ﴿أَكَانَ
لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ
مُبِينٌ﴾ [يونس: 2]،الناس هنا أهل مكة وقد يؤنث لفظ الناس على معنى القبيلة
أو الطائفة مثل جاءك الناس يعني جاءتك القبيلة.
يتضح لنا
مما سلف ذكره أنّه هناك خيط رفيع يفصل بين ألفاظ الإنسان والإنس والبشر والناس إلا
أن معنى لفظ الإنسان كما سنعرف في المطلب الأول من المبحث الثالث على ما يعتمد على
معهود القرآن ودلالة السياق.
المطلب الثالث: التعريف بالهجران والسلوك
1)
تعريف
الهجران لغة قال ابن فارس الهاء والجيم والراء أصلان يدل أحدهما على قطيعه وقطع
الآخر يدل على شد شيء وربطه وهاجر القوم من دار إلىدار أيتركوا الأولى للثانية كما
فعل المهاجرون حين هاجروا من مكة إلىالمدينة
·
وقال ابن
منظور في لسان العرب: "الهجر ضد الوصل هجره يهجره هجر وهجرانا صرمه."
·
وقال صاحب
تاج العروس[10] هجر
الشيء يهجره هجرا تَرَكَه واغفله واعرض عنه ومهجورا من الهجر بالضم على المشهور
أيالهذيان وفحش القول والكلام على الحذف والإيصال أيجعلوه مهجورا فيه اما على
زعمهم الباطل نحو قالوا أساطير الأولين اكتتبها واما بأن هجروا فيه ورفعوا اصواتهم
بالهذيان لما قرئ لئلا يسمع كما قالوا قال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ
وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]، وفي هذه الشكوى من
التخويف والتحذير ما لا يخفى فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام اذا شكوا إلىالله
تعالى قومهم عجل لهم العذاب ولم ينظروا وفي المراد بقوله مهجورا قولا أحدهما
متروكا لا يلتفتون اليه ولا يؤمنون به والثاني هاجروا فيه أيجعلوه كالهذيان والهجر
ما لا ينتفع به.
اصطلاحا الهجر والهجران مفارقه الانسان غيره اما بالبدن
أو القول باللسان أو بالقلب وذكر مثله المناوي في كتابه التوقيف على مهمات
التعاريف والهجرة هي ترك الوطن الذي بيد الكفار والانتقال إلىدار الإسلام.
2)
تعريف
السلوك
لغة: السلوك في اللغة حسب ما ذكر في اللسان هو من المصدر
للفعل سلك طريق، وسلك المكان يسلكه سلكا، وسلكت
الشيء في الشيء أي أدخلته فيه، ورد في سورة المدثر: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ
الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: 42-44].
إصطلاحا: هو سيرة الفرد واتجاهاته ومذهبه، حيث يقال أن شخصا سيء
السلوك أو حسن السلوك، كما أن السلوك يكون من الأعمال الإرادية التي يقوم بها
الإنسان كالصدق والكذب والبخل والكرم ونحوها.
كما أنه غالبا ما يرتبط السلوك بالبيئة المحيطة بالفرد
فيتأثر بها، كما أنه يمكن أن يكون واعيا أو غير واع كما ذكر علماء النفس.
المبحث الثاني: آيات الإنسان والهجر في القرآن
وعلاقته بطبائع الإنسان وسلوكه
المطلب الأول: لفظ الإنسان في القرآن الكريم
ورد لفظ "الإنسان" في القرآن الكريم خمس وستون
(65) مرة حسب ترتيب السور في المصحف بالرسم العثماني:
قال
تعالى:
1- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]
2- ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا
لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ
كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 12]
3- ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا
الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ
كَفُورٌ﴾ [هود: 9]
4- ﴿قَالَ
يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ
كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ
عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: 5]
5- ﴿وَآتَاكُمْ
مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ
تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34]
6- ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26]
7- ﴿خَلَقَ
الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: 4]
8- ﴿وَيَدْعُ
الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ...﴾ [الإسراء: 11]
9- ﴿...
وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]
10- ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ
أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾
[الإسراء: 13]
11- ﴿وَقُلْ
لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53]
12- ﴿وَإِذَا
مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ
أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ
كَفُورًا﴾ [الإسراء: 67]
13- ﴿وَإِذَا
أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾
[الإسراء: 83]
14- ﴿قُلْ
لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ
خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ
الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: 100]
15- ﴿وَلَقَدْ
صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾
[الكهف: 54]
16- ﴿وَيَقُولُ
الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 66]
17- ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ
الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 67]
18- ﴿خُلِقَ
الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ
آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: 37]
19- ﴿وَهُوَ
الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الحج: 66]
20- ﴿لَقَدْ
أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 29]
21- ﴿وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12]
22- ﴿وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا
وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا
تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 8]
23- ﴿وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ
فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: 14]
24- ﴿الَّذِي
أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ
خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة: 7]
25- ﴿إِنَّا
عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ
أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:
72]
26- ﴿أَوَلَمْ
يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ
مُبِينٌ﴾ [يس: 77]
27- ﴿وَإِذَا
مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ
نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ
أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ
تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ
مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: 8]
28- ﴿فَإِذَا
مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 49]
29- ﴿لَا
يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ
قَنُوطٌ﴾ [فصلت: 49]
30- ﴿وَإِذَا
أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ
الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: 51]
31- ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا
فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ
وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ﴾ [الشورى: 48]
32- ﴿...
وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ
كَفُورٌ﴾ [الشورى: 48]
33- ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ
عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ
لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: 15]
34- ﴿وَوَصَّيْنَا
الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ
شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا
تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: 15]
35- ﴿أُولَئِكَ
الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ
سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ
وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: 16]
36- ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا
تَمَنَّى﴾ [النجم: 24]
37- ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ
إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]
38- ﴿خَلَقَ
الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: 3]
39- ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ
صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: 14]
40- ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ
قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي
أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر: 16]
41- ﴿إِنَّ
الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: 19]
42- ﴿أَيَحْسَبُ
الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: 3]
43- ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ
لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5]
44- ﴿يَقُولُ
الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ [القيامة: 10]
45- ﴿يُنَبَّأُ
الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: 13]
46- ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى
نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: 14]
47- ﴿أَيَحْسَبُ
الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]
48- ﴿هَلْ
أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾
[الإنسان: 1]
49- ﴿إِنَّا
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ
سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2]
50- ﴿يَوْمَ
يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: 35]
51- ﴿قُتِلَ
الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]
52- ﴿فَلْيَنْظُرِ
الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24]
53- ﴿يَا
أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: 6]
54- ﴿يَا
أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾
[الانشقاق: 6]
55- ﴿فَلْيَنْظُرِ
الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: 5]
56- ﴿فَأَمَّا
الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ
رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ [الفجر: 15]
57- ﴿وَجِيءَ
يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ
يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: 23]
58- ﴿لَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: 4]
59- ﴿لَقَدْ
خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4]
60- ﴿خَلَقَ
الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: 2]
61- ﴿عَلَّمَ
الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]
62- ﴿كَلَّا
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: 6]
63- ﴿وَقَالَ
الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 3]
64- ﴿إِنَّ
الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6]
65- ﴿إِنَّ
الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]
المطلب الثاني: لفظ الهجر وتفسيره في القرآن
ورد في
القرآن الكريم كالذي فعله المهاجرون في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ
عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي
سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ
وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ
الثَّوَابِ﴾ [آل عمران: 195]، وجاء بما معناه ترك وطنه، كما في قولهعزّ
وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا
الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا
يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]،
كما ورد في سياق ترك أهل الكفر والمستهزئين في قولهعزّ وجلّ:﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ
أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا
تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ
وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140]، ومن سورة النساء
أيضا قولهعزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ
عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا﴾ [النساء: 100]، كما ورد في معنى الهجر للزوجة الناشز في الفراش: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ
بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ
أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ
حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ
وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي
الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ
أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾
[النساء: 34]، وجاء في معنى ما فعل إبراهيم بدينه عن معبوداتهم، كما في
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ
عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ
لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ
وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46]،ومثل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ
وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]، وتحمل معنى الإعتزال
والإجتنابوالمداراة، في قولهعزّ وجلّ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ
بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67]،وفي سورة المدثر، قوله تعالى:﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]،
وفي سورة الفرقان: قوله تعالى:﴿وَقَالَ
الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾
[الفرقان: 30]
ومن خلال ما
أوردنا من الآيات وغيرها التي تحمل معنى الهجر أو الهجران نخلصإلى أن الهجر يكون
على أنواع من حيث العمل أو الترك، ففي مواطن تحمل معنى الأمر كقولهعزّ وجلّ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]،
وليس بعيدا عن سورة المدثر ففي سورة المزمل أمر رسول الله ﷺ بهجر قومه من الكفار
هجرا جميلا كما مرَّ معنا.
وكان النهي
إذًا على هجر القرآن سواء وصفا كما جاء في سورة المؤمنون ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67]،
قال الطبري رحمه الله تعالى: "فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى
له من القول"[11]، وذلك أن يقولوا فيه باطلا من القول الذي لا يضره.
وفي قولهعزّ وجلّ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا
هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]، ذكر أبو الليث السمرقندي (ت: 375 هـ) في تفسيره، بحر العلوم[12]: ثم
قالعزّ وجلّ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]، يعني متروكا، لا يؤمنون به ولا يعملون بما فيه، وقال القتبي: يعني جعلوه
كالهذيان، ويقال فلان يهجر في منامه، أي يهذي.
وقال مجاهد: يهجرون منه بالقول، يعني يقولون فيه بالقبيح، فبين الشكاية من
رسول الله ﷺ إلى الربعزّ وجلّ، ثم إن اللهعزّ وجلّ عزّاه وأخبره أن الرسل من قبله
كانوا يتأذون بقومهم، فذلك قولهعزّ وجلّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان:
31]، يعني عدوا من المشركين.
وقال أبو الحسن الماوردي (ت:
450 هــ) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]، فيه ثلاثة أوجه[13]:
·
أحدهما:
أنهم هجروه بإعراضهم عنه فصار مهجورا، قاله ابن زيد.
·
الثاني:
أنهم قالوا فيه هجرا أي قبيحا، قاله مجاهد.
·
الثالث:
أنهم جعلوه هجرا من الكلام وهو مالا نفع فيه من العبث والهذيان، قاله بن قتيبة.
وفي الوجيز
للواحدي (ت: 468 ه): مهجورا: أي متروكا أعرضوا عنه.
وفي تفسير
البغوي[14] (ت:
510 ه): وقال الرسول: يعني يقول الرسول في ذلك اليوم: يا رب إن قومي اتخذوا هذا
القرآن مهجورا يعني متروكا فأعرضوا عنه ولم يؤمنوا به، ولم يعملوا بما فيه، وقيل
جعلوه بمنزلة الهجر وهو الهذيان، والقول السيء، فزعموا أنه شعر وسحر وهو قول النخعي
ومجاهد.
وفي تفسير العز بن عبد السلام[15] (ت:
660 هــ)، أورد في تفسيره لكلمة "مهجورا": أعرضوا عنه أو قالوا فيه هجرا
وقبيحا، وجعلوه هجرا من الكلام، وهو مالا فائدة فيه كالعبث والهذيان، قال تعالى:﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ
بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا الَّذِينَ يُحْشَرُونَ
عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾
[الفرقان: 32-34].
وجاء في البسيط للواحدي،
في تفسيره لقولهعزّ وجلّ: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا
هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30] قال ابن عباس: يريد محمدا ﷺ يشكوهم إلى اللهعزّ وجلّ"يَا
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا" ذكروا في الهجور قولين:
قال
ابن عباس: يريد هجروا القرآن وهجروني وكذبوني، وقال الكلبي: مهجورا متروكا، وقال
مقاتل: تركوا الإيمان بهذا القرآن فهم مجانبون له، وهذا قول من جعله من الهجران
والهجر. وقال مجاهد: يقولون هو سحر، وقال إبراهيم: قالوا فيه غير الحق، وقال مسعر:
قالوا فيه هجرا، وعلى هذا القول: المهجور من الهجرة وذكرنا الكلام في الهجر عند
قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ
سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67].
وذكر الفراء والزجاج القولين: فقالا: يجوز أن يكون مهجورا:
متروكا أي جعلوه متروكا مهجورا، لا يسمعونه، ولا يتفهمونه، ويقال: إنهم جعلوه
كالهجر بمنزلة الهذيان، والهجر: ما لا ينتفع به من القول، وكان يقولون: إن النبي ﷺ
يَهْجُرُ، وعلى هذا يقال هجر يهجر هَجرا وهُجرًا، والكلام مهجور، فجعلوا القرآن
كلاما لغوا، وهو قولهم: إنه شعر، سحر وسمر، وأساطير الأولين، ويدل على صحة القول
الأول ما روى عن أنس أن النبي ﷺ، قال: )مَنْ تعَلَّم القرآنَ وعلَّمَهُ
وعلَّق مُصْحَفًا لم يتعاهَدْه ولم ينظُرْ فِيه جاءَ يومَ القيامةِ مُتَعَلِّقًا
بهِ يقولُ يا ربَّ العالَمينَ عبدُكَ هذا اتَّخَذنِي مَهجورًا اقضِ بينِي وبينَه( رواه الثعلبي.
وذكر
صاحب النظم وجها آخر من الهجر فقال: يجوز أن يكون المهجور مصدرا كالهجر، والتهجير،
ويكون المعنى: اتخذوا هذا القرآن هُجراً، أي إذا سمعوه قالوا فيه الهجر، وقالوا
إنه هجرٌ، كما يقال: اتخذنا فلانا ضحكة أو سُخرة، أي: إذا رأيناه ضحكنا منه وسخرنا
منه، وهذا النظم أبلغ من أنلو قيل: هجروا القرآن أو هجروا فيه، لأنه يدل على أنهم
جعلوا عادتهم هجر القرآن[16]،
وذكرنا تحقيق هذا الفصل عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى
عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾
[الإسراء: 29]، وعند قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ
ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ
دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: 40].
وحاصل الأقوال في تفسير قولهعزّ
وجلّ "يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا"
ثلاثة:
1. أنهم
هجروه بإعراضهم.
2. أنهم
قالوا فيه هجرا أي قبيحا.
3. أنهم
جعلوه هُجرا من الكلام، ما لا نفع فيه من العبث والهذيان.
جاء في معاني القرآن للفراء (ت:
207 هــ): ويقالأنهم جعلوه كالهذيان، والعرب تقول هجر الرجل في منامه إذا هذى، أو ردد
الكلمة.
وفي
معاني القرآن للزجاج: الهُجر، والهُجر بما لا ينتفع به من القول.
وجاء
في تفسير الزمخشري (الكشاف) ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]: الرسول: ﷴﷺ، وقومه قريش، حكى
الله عنه شكواه قومه إليه، وفي هذه الحكاية تعظيم للشكاية وتخويف لقومه لأن
الأنبياء كانوا إذا التجأوا إليه وشكوا إليه قومهم حل بهم العذاب ولم يُنْظَروا.
وجاء
في مفاتيح الغيب للرازي (ت: 606 هـ)، ذكروا في المهجور قولين[17]،
الأول أنه من الهجران أي تركوا الإيمان به ولم يقبلوه وأعرضوا عن استماعه، الثاني
أنه من أهجر أي مهجورا فيه ثم حذف الجارّ، ويؤكده قوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون:
67]، ثم هجرهم فيه أنهم كانوا
يقولون إنه سحر وشعر وكذب، وهجر أي: هذيان.
وروى
أنس عن النبي ﷺ، أنه قال (مَنْ تعَلَّم القرآنَ وعلَّمَهُ وعلَّق مُصْحَفًا لم
يتعاهَدْه ولم ينظُرْ فِيه جاءَ يومَ القيامةِ مُتَعَلِّقًا بهِ يقولُ يا ربَّ
العالَمينَ عبدُكَ هذا اتَّخَذنِي مَهجورًا اقضِ بينِي وبينَه) رواه الثعلبي.
ثم
إنه تعالى قال مسليا لرسوله عليه الصلاة والسلام ومعزيا له، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31]، وبين بذلك أن له
أسوة بسائر الرسل فليصبر على ما يلقاه من قومه كما صبروا.
ومن أحسن ما قرأت في تأويل
الآية ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]، ما ذكر في محاسن التفسير[18]،
حيث قال المفسر رحمه الله: "وقال الرسول أي إثر ما شاهد من عتوهم وعنادهم، يا
رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا أي متروكا، معرضا عنه، وجملة قال الرسول عطف
الآية، وإن كانت فيالمشركينوإعراضهم هو عدم إيمانهم، مما يرهب عموم المعرضين عن
العمل به، والأخذ بآدابه وهو حقيقة الهجر، لأن الناس إنما تعبدوا منه بذلك، إذ لا
تؤثر تلاوته إلا لمن تدبرها، ولا يتدبرها إلا من يقوم بها ويتمسك بأحكامها، ومن
فوائد الإمام بن القيم الجوزية – رحمه الله- قوله في هذه الآية: "هجر القرآن"
أنواع:
·
أحدها: هجر سماعه والإيمان به
والإصغاء إليه
·
الثاني: هجر العمل به والوقوف
عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به.
·
الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم
إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظيةلا تحصل
العلم.
·
الرابع: هجر الإستشفاء والتداوي
به في جميع أمراض القلوب وأدوائها، فيطلب الشفاء في غيره ويهجر التداوي به.
قال:
وكل هذا داخل في هذه الآية، وإن كان بعض الهجر أهون من بعض"
وفي
"الإكليل" إن الآية إشارة إلى التحذير من هجر المصحف وعدم تعاهده
بالقراءة، كذا قال أبو السعود: فيه تلويح إلى تعجيل العقوبة، فإن الأنبياء عليهم
الصلاة السلام إذا شكوا إلى الله قومهم عجل لهم العذاب ولم يُنظروا.
ومن التفاسير التي شدتني إليها
لما فيها من تحريك للمشاعر وتوسع في النظر والتأمل، تفسير روح البيان[19]،
حيث يقول المفسر رحمه الله ، وقال الرسول ﷴﷺ إثر ما شاهد منهم غاية العتو ونهاية
الطغيان بطريق البث إلى ربه، يا رب إن قومي "قريشا" اتخذوا هذا القرآن
مهجورا أي متروكا بالكلية ولم يؤمنوا به وصدوا عنه، وفيه تلويح بأن حق المؤمن أن
يكون كثير التعاهد للقرآن أي بالحفظ والتلاوة كل يوم وليلة كي لا يندرج تحت ظاهر
النظم الكريم، وفي الحديث: (مَنْ تعَلَّم القرآنَ وعلَّمَهُ وعلَّق مُصْحَفًا لم
يتعاهَدْه ولم ينظُرْ فِيه جاءَ يومَ القيامةِ مُتَعَلِّقًا بهِ يقولُ يا ربَّ
العالَمينَ عبدُكَ هذا اتَّخَذنِي مَهجورًا اقضِ بينِي وبينَه) رواه الثعلبي، ومن
أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل آية من القرآن الكريم أو سورة ثم ينساها، والنسيان أن
لا يتمكن من القراءة غيبا، وفي الحديث:وعنابن عمرقال: قال رسول الله -ﷺ-: (إن
هذهالقلوب تصدأ كما يصدأ الحديدإذا أصابه الماء) قيل: يا رسول الله وما جلاؤها؟
قال: (كثرةذكر الموت وتلاوة القرآن).
﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾
[الفرقان: 31]، أي كما جعلنا لك أعداء من مجرمي قومك كأبي جهل وغيره، فإن الأنبياء
من قبلك كان لهم أعداء من مجرمي قومهم، كنمرود إبراهيم وفرعون، وغيرهم، فاصبر كما
صبروا تظفر كما ظفروا وفيه تسلية للنبي ﷺ، وحمل له على الإقتداء بمن قبله من
الأنبياء الذين هم أصحاب الشريعة والدعوة إليها، وكفى بالله هاديا نصيرا.
المطلب الثالث: طبائع الإنسان وعلاقتها بهجران
القرآن الكريم
وقف أهل العلم على لفظ الإنسان
في القرآن واستنبط ثلة منهم تعليقا مهما يجدُر بنا ذكره، فقد جاء في تفسير الطبري:
قال: قال مجاهد: (كل ما في القرآن: قتل الإنسان، أو فعل الإنسان، فإنما عني به
الكافر) وقد خص هذه الكلمة محمد الطاهر بن عاشور بمبحث سماه عادات القرآن، كما
أورد مساعد الطيار فيما ذكر من كليات الألفاظ في القرآن قول مجاهد هذا رحمه الله[20].
كما جاء في معرض ما قاله الدكتور محمد راتب النابلسي في محاضرة عنوانها
"الإنسان في القرآن": "الإنسان قبل أن يعرف الله، ظلوم، جهول،
هلوع، مَنُوعٌ،،، وخلق الإنسان ضعيفا" ثم علّق قائلا: "ومع ذلك هل يمكن
للإنسان أن يجعل هذه الصفات في صالحه؟ فالعاقل يحكمه النص، وغير العاقل يحكمه
الواقع".
كما جاء في بحث قدمه أحد
الأساتذة المختصين في علم التفسير قدمه إلى ملتقى أهل التفسير للنشر، بعد إشارته
إلى بني آدم في عمومهم، إلى أنه اقتصر على مفردتي "الإنسان" و
"الإنس"، وقد أفاض بذلك وأثبت أن اللفظتين لها ارتباط معنوي يقصد بهما
في كتاب الله كل مخلوق من سلالة آدم عليه السلام.
إن تسمية "الإنسان"
تعود للنسيان عمدا وسهوا، فكفره نسيان لفضل ربه عليه ونسيان ما ينتظره نتيجة ظلمه
وطغيانه، كما أنه ينسى ما حذره منه ربه تصريحا أو تلميحا مما يصيبه من شرور، وما
يؤكد من ذلك قولهعزّ وجلّ: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا
لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ
كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 12]،
وينسى إنعام ربه وخيراته وما خَوَّلَه من نِعم، وآيات الإنسان التي مرت بنا في
المطلب الأول من هذا المبحث شاهدة على أن مفردة الإنسان جمعت العديد من صفات
الإنسان وطبائعه فجاءت في القرآن الكريم لدلالتهاعلى ضعف خلقه وخلقته، وإذا كان
الأمر كذلك فإن الإنسان لهجر القرآن الكريم أقرب وأوكد، خاصةلما نتعرف على أسباب
ومعطيات أخرى تبعد الإنسان على أن يتعاهد كتاب ربه متى وجد إلى قلب الإنسان سبيلا
من جهة أخرى.
إلا
أن أهم سياق يبرز نسيان الإنسان وغفلته عن القرآن وهجره له، ما ذكره اللهعزّ وجلّ
من سورة الفرقان، حيث يقولعزّ وجلّ: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ
يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى
لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ
بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ
الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي
اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ
عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى
بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 27-31]
وفي الآية التي قبلها هذا اليوم من العسر ما ذكره الله فيها: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ
لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى
الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: 26]، وفي لحاق السياق القرآني ما يبين
فوائد ترتيل القرآن وموقف الكافرين على وجه الخصوص فقالعزّ وجلّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا
نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً
كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ
وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ
بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 32-33]، وذلك رداّ على
اقتراحهم نتيجة عدم ارتياحهم وهم يرون الرسول والمؤمنين يعيشون القرآن على مدى
أيام حياتهم و الشفاء فقالعزّ وجلّ: ﴿وَلَوْ
جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى
وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: 44]
وآخر ما نختم به هذا المطلب ما جاء في سورة العصر، فهو مجمل ما ذُكر من أن
الإنسان إن لم يحافظ على حالة الذكر فإنه يكون خاسرا، ولا يكون نجاحه وفلاحه إلا
بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق وبالصبر، وفي جميع ما ذكر التذكير والتنبيه
وعدم الغفلة في كنف القرآن.
المبحث الثالث: مظاهر هجران القرآن وأثرها على
السلوك الإنساني
المطلب الأول: خصائص وأصناف الأمة المصطفاة
الأساسية
تحظى الأمة الإسلامية بخصوصية لم تتوفر لغيرها من أمم
الدنيا من حيث أنها تختص بحفظ الله للقرآن خالصا من كل شائبة وتحريف، وهو بدوره منحها خصائص وأصناف تتميز بها عن
غيرها وأهم أربع ميزات ذكرها القرآن وهذا ما أخذته من كتاب الدكتور يوسف القرضاوي "كيف
نتعامل مع القرآن العظيم"[21] بتصرف.
-الربّانية: ربّانية المصدر
وربّانية الوجهة فهي أمّة أنشأها وحي الله تعالى وتعهدتها تعاليمه وأحكامه حتى
اكتمل لها دينها وتمت به نعمه الله عليها كما قال تعالى: ﴿...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ
مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]، فالله تعالى هو صانع هذه الأمة ولهذا
نجده في القرآن الكريم يقول: ﴿كُنْتُمْ
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[آل عمران: 110]، ولذلك فعلى كل من ينتمي
إلى هذه الأمة أن يستشعر ثقل المسؤولية حيث أنه يقوم بدور خطير في هذه الأمة في
مختلف ميادين الدنيا والدين حتى تستعيد الأمة مكانتها المنوطة بها بين الأمم، ومن
أوصاف الأمّة الإسلامية كما جاء في كتاب "كيف نتعامل مع القرآن الكريم".
-الوسطية: التي تؤهل
الأمة للشهادة على الناس وتبوؤها مكان الأستاذية للبشرية، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ
عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى
عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً
إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
[البقرة: 143]، وهي وسطيةٌ شاملةٌ جامعةٌ وسطيةٌ في الإعتقاد والتصور،
وسطيةٌ في الشعائر والتعبد، وسطيةٌ في الأخلاق والسلوك، وسطيةٌ في النظم والتشريع،
وسطيةٌ في الأفكار والمشاعر، وسطيةٌ بين الروحية والمادية، بين المثالية
والواقعية، بين العقلانية والوجدانية، بين الجماعية والفردية، بين الثبات والتطور،
إنها صراط الأمّة الذي يمثل الصراط المستقيم.
ومن
هذه الأوصاف لهذه الأمّة الأساسية الدعوة وهي واحدة من الأربعة التي ذكرها
الأستاذ القرضاوي
-الدعوة: فهي أمّة دعوة
ورسالة وليست أمة منكفئة على نفسها تحتكر الحق والخير والهداية لذاتها ولا تعمل
على نشرها في الناس، بل الدعوة فريضه عليها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع
الإيمان بالله أساس تفضيلها على كل الأمم، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ
لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ
الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]، فهي لم ترجح سائر الأمم في ميزان الله لسبب مادي أو
عنصري، كيف لا وهي تتكون من عناصر شتى من كل من يدخل في دين الله من أجناس البشر
عربا أو عجما، إنما رجحت في ميزان الحق لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن
بالله.
كما
جاء في الكتاب نفسه عن الصفة الرابعة
-الوحدة: فالأمة التي
يريدها الإسلام أمة واحدة وإن تكونت من أعراق وألوان وطبقات فقد صهرها الإسلام في
بوتقته وأذاب الفوارق بينها وربطها بالعروة الوثقى لا انفصام لها يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، ويقول عز وجل: ﴿وَإِنَّ
هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:
52]، وكيف لا تكون هذه الأمّة واحدة وقد وحَّد لها الله عقيدتها
وشريعتها، ووحَّد غايتها ووحَّد منهاجها كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ
بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]
المطلب الثاني: مظاهر الهجران في القرآن
ذكر بن قيم الجوزية خمسة أنواع من الهجر وقال غيره تسعة
النوع الأول: هجر سماعه والإنصات إليه.
النوع الثاني: هجر العمل والوقوف عند حرامه وحلاله.
النوع الثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه.
النوع الرابع: هجر تدبّر القرآن وتفهمه.
النوع الخامس: هجر التداوي والاستشفاء بالقرآن.
مظاهر القرآن الواضحة بفصولها في حياتنا وهي على أشكال:
·
هجر الإصغاء إلى القرآن والاستماع إليه وعدم الاكتراث به
واحترامه، بينما الموقف اللائق هو ما ذكره الله عز وجل في القرآن بقوله: ﴿وَإِذَا
قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الأعراف: 204].
·
هجر التحاكم إليه، وجعل التشريعات والأحكام المنوطة بهم
وراء ظهريا، ونحن نقرأ قولهعزّ وجلّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ
أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا
بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60]،
فكم من أناس لم يعجبهم ما جاء في أحكام المواريث، فبلغ من الجشع أن يأخذ حقه وحق
طرف آخر من الميراث بغير وجه حق، وليس بعيدا منهم من ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ
آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا
يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]، فمنهم من يهمل حق بل
يمنع النساء من أخد حقوقهن في الميراث، ويقولون بلسان الحال: ﴿وَمَا سَمِعْنَا
بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾، ومن النساء من يطالبن بنصيب للأنثى مثل حظ
الذكر وهم بذلك يخالفون قول اللهعزّ وجلّ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي
أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
الْأُنْثَيَيْنِ...﴾ [النساء: 11]
·
هجر الإتيان على ما أراده القرآن من الإنسان والانتهاء
من الزواجر، فالله يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، بينما يقول المقصر في
ذلك: الإيمان في القلب، وقلبي أبيض بينما القرآن يقول له: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى
سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذَا
قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾[البقرة: 204-206]، بل جاء اليوم الذي رأى فيه الناس بأم أعينهم وسمعوا ما فيه سخرية بآيات
الله هزؤوا غير آبهين بحكم الله فيهم فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ
إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ
أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا
قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ
نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا
مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: 65-66].
·
هجر تدبره: هناك رأي سائد لدى فئة ليست قليلة بأنه ليس من السهولة أن تحفظ
القرآن الكريمفضلا عنتفقههوفهم مقاصده، بينما القرآن الكريم يدعونا إلى التدبر في
غير ما آية فيقول﴿أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]،
فلسان حال الناس يدل على التباعد والهجران ولسان حال القرآن يدعوا إلى التقارب مع
هذا القرآن، والترغيب في مدارسته وتعليمه لحديث رسول الله ﷺ: (وما اجتمع قوم في
بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة
وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) -رواه مسلم-[22]
ومنهم[23] من جعل
لهجر القرآن جانبين: أحدهما يتعلق بالقرآن دون أخذ له وهذا صنيع الكفار
والمنافقين، والآخر يتعلق به الإقرار بأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، وهذا صنيع بعض المسلمين الذين يقرؤون القرآن، أو يقرؤونه لا
يتجاوز حناجرهم، فلا يعملون به، ومن هؤلاء صنف يحفظ القرآن أو شيئا منه والقول فيه
بغير الحق وترك تلاوته أو العمل به أو نسيانه بعد الحفظ.
المطلب الثالث: أثر هجران القرآن في تراجع
أخلاق الإنسان
تجسدت آيات القرآن في حياة رسول
الله ﷺ في مختلف جوانبها فقد سئلت أمّنا عائشة عن خلق النبي ﷺ فأجابته كان خلقة
القرآن، وفي رواية أخبرت بأنه كان قرآنا يمشي[24]،
وقد زكاه اللهعزّ وجلّ بقوله: ﴿وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، كما أن القرآن نصَّ في آياته على
نماذج رائعة لأخلاق النبوة والرسالات يجسدها أنبياء الله من زمن آدم إلى النبي
الخاتم عليهم الصلاة والسلام جميعا.فهذا آدم عليه السلام برفقة حواء زوجته : ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا
وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[الأعراف: 23]، وهذا نوح يتعوذ بالله أن يسيء في طلبه من حيث أراد
الإحسان: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ
بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ
وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: 47]،
وهذا إبراهيم عليه السلام مشفق أن يحرم هداية ربه﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي
رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77]، وهذا
سليمان بما أوتي من ملك لم يُؤْتِهِ الله أحدا من قبله و لا من بعده﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ
الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ
هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ
لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي
غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40]، وهذا داوود وقد سخرت له الجبال والطير وأوتي
من الملك ما أوتي، إلا أنه تعامل مع ما وجد فيه من مشهد خطير بأدب النبوة مع الله
لاجتياز الامتحان﴿قَالَ لَقَدْ
ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ
فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩﴾ [ص: 24]، وهذا
النبي أيوب عليه السلام وقد زكاه ربه بقوله: ﴿...إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ
أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]، كان في غاية اللياقة والأدب مع الله فقد جاء في
شأنه من سورة الأنبياء: ﴿وَأَيُّوبَ
إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[الأنبياء: 83]، كما أنه سبحانه وصف أنبياء من بعده بالصبر وبالصلاح فقال
عزّ من قائل﴿وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ
الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا
إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: 85-86]، وبعدهم ذكر يونس
عليه السلام بقوله: ﴿وَذَا النُّونِ
إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي
الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ
الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87] وفي ختام هذه الثلة الكريمة من الأنبياء ذكر
زكرياء وقد وهبه الله يحيى على كبر سنه مع ذكر مواصفات أخلاقية رفيعة تليق بفطنة
الأنبياء وخصائصهم: ﴿وَزَكَرِيَّا
إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ
وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا
وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
[الأنبياء: 89-90].
وفي الحديث الصحيح: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من
يا رسول الله، قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه).
إذا غفل الإنسان عن ذكر الأنبياء في القرآن فهو بذلك يهجر القرآن في أهم
جزء فيه من حيث بيان هؤلاء الذين اصطفاهم اللهعزّ وجلّ واجتباهم وما علينا إلا
الإقتداء بهداهم، كما ذكر اللهعزّ وجلّ مريم عليها السلام، وامرأة عمران و امرأة
فرعون أيضا فقال في شأنهن: ﴿إِذْ
قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي
مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ
أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: 35]، وعن مريم: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي
وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ
كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا
مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ
عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 36-37]، وفي ذكره لإمرأة فرعون: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ
آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي
الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: 11]، وهن قدوات صالحات للنساء، وقد ذكر اللهعزّ
وجلّ بعض الصالحين كالخضر، ذي القرنين ولقمان لمن قال إنه العبد الصالح، والملك
طالوت وفتية أهل الكهف وغيرهم، وكل من ذكر القرآن آية من آيات الله يحسن بنا أن
نتدبر فيها وتستنبط مقاصد أخلاقية من شأنها أن تعيننا على أن نهتدي إلى حسن
الأخلاق.
كما تمثلت أخلاقا في أسمى
معانيها ذكرها القرآن من باب الأمر ومن باب الاعتبار أومن باب الترغيب والترهيب في
الأمر و النهي كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ
لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا
تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 18-19]،
أو في قولهعزّ وجلّ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ
قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، كما قال بعدها: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا
الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]
والشيء بالشيء يذكر فباعتبار استحضار هذه الآيات واستخراج ما فيها من
هدايات وشفاء وصفات أخلاقية تكون الثمار محققة والمقاصد واضحة المعالم، والنتيجة
أننا تدارسنا وتدبرنا هذه الآيات وغيرها فهذه المدارسة وهذا التدبر يمنحنا نور هذه
الآيات وبشريات نجدها في الدنيا والآخرة إن نحن عملنا على أن ننال الشفاء منها
والذي يحصل هو اكتساب معانٍ ومواقف ومعاملات تُعزز من رصيدنا الأخلاقي الفردي والجماعي
باعتبارنا عملنا على الخروج من نطاق النظرية إلى التطبيق على الميدان.
وبإيراد ما يعطل فاعليات الأمة والأفراد إذا
هجرنا القرآن فقد ذكر اللهعزّ وجلّ نماذج عن ذلك فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ
عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ
إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي
آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ
إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: 57]، وقال﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ
رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا
مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22]، ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً
عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ
بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 140]، ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي
الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ
يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]،﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ
إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، ﴿وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ
أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ
أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾
[الأعراف: 179]، فأي شناعة ووضاعة بعد أن يصف القرآن هذا الذي يهدر
سمعه وبصره وقلبه أن يفقه كلام الله؟...
وفي حديث رواه مسلم فعن ابن الحارث أن المستورد القرشي[25] قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس)[26] قال:
فبلغ ذلك عمرو بن العاص فقال: ما هذه الأحاديث التي تذكر عنك أنك تقولها عن رسول
الله ﷺ؟ فقال له المستورد: قلت الذي سمعت من رسول الله ﷺ، قال فقال عمرو: لئن قلت
ذلك، إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأجبر الناس عند مصيبة، وخير الناس لمساكينهم
وضعفائهم، ومن طريق آخر: عن موسى بن علي عن أبيه قال: قال المستورد القرشي عند
عمرو بن العاص سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس) فقال له
عمرو أبصر ما تقول قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ قال لئن قلت ذلك إن فيهم
لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة
بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة، وأمنعهم من ظلم
الملوك.-رواه مسلم-.
وقال الشاعر: إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
ومن أقوال الإمام ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة،
ولا يقيم الدولة الظالمة، وإن كانت مسلمة.
وذكر اللهعزّ وجلّ من الصفات إذا كانت في كنف اليقين بالآيات ما يمكّنُ
لأصحابها إلى طريق الهداية: ﴿وَجَعَلْنَا
مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:
24]
خلاصة
تناول الفصل
التمهيدي مدخلا ضبطت فيه مصطلحات ومعاني ومفاهيم، وكان الغرض حول إيراد
آيات الإنسان والهجر في القرآن وعلاقتها بطبائع الإنسان وسلوكه، لنلج شيئا فشيئا
في المعطيات المتمثلة في طبيعة الخطاب الرباني وتناوله لما يمتاز به الإنسان من
استعدادات ومواقف وجد فيها لينطلق كما في الحديث(كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها
او موبقها)، وكان قد ذكر في الحديث نفسه قبل هذا (والقرآن حجة لك او عليك)[27]-رواه
مسلم-.
إن العملية
التفاعلية بينما خلق الله من أسرار في الانسان وكرم القرآن وبركاته هي التي تحدد
مدى صلته بالقرآن أو هجره له، فمعتق نفسه يدخل فيما ذكره القرآن في خطابه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً
يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: 29]، أما موبقها فهو مهلكها في
غفلته عما جاء في كتاب ربه ومهلكها حين يملأ قلبه ونفسه وحياته بالمخلوقين من
البشر وغيرهم وينتظر منهم الجديد وينسى أن الجِدّة كل الجِدّة في كتاب الله عز وجل،ومهلك
نفسه عندما ينقلب إلى خصم مبين بينما أصله (من نطفه من ماء مهين)، ومهلك نفسه
عندما يهجر كلام ربه وينسى أصله ويحسب نفسه، فيمنعه ذلك أن يسمع الذكر المحدث أو
يبصر بقلبه قبل بصره آيات الله فيخرج بها من الظلمات الى النور ويهديه الى صراط
مستقيم...
ولطبيعة الفصل التمهيدية فقد عرض البحث خصائص وأوصاف الأمة
الأساسية حتى تعمل بالقرآن وتلازمه وتجعله برنامجها الأساسي وجدول أعمالها اليومي،فمع
القرآن نحيا وعليه نموت وبه نلقى الله، كما أن لعرض مظاهر الهجران للقران وآثارها
في تراجع أخلاق الإنسان أهمية حتى نتعرف على الباطل فننكره ونتقيه.
الفصل الأول: صور وكيفيات هجران القرآن الكريم
وأسبابه
تمهيد
المبحث
الأول: حال القوم مع القرآن زمن نزول الوحي
المطلب الأول: تعامل القوم مع القرآن
بداية نزول الوحي
المطلب الثاني: كيف تعامل الناس مع القرآن
عند الجهر بالدعوة
المطلب الثالث: موقف الناس من القرآن
في مرحلة بناء الدولة بالمدينة
المبحث
الثاني: أنواع هجر القرآن
المطلب الأول: الهجران الفردي
المطلب الثاني: الهجران الفئوي
(الجهوي)
المطلب الثالث: الهجران العّام
المبحث
الثالث: أسباب الهجران وأثره على السلوك العام الإنساني
المطلب الأول: ما كان سبب الهجران
البيئة والظروف
المطلب الثاني: ما كان سبب الهجران
ذاتياً في الإنسان نفسه
المطلب الثالث: ما كان سبب الهجران
أعداء الجنّ والإنس
خلاصة
الفصل
الأول: صور وكيفيات هجران القرآن الكريم وأسبابه
تمهيد
تنوعت
صوّر وكيفيات الهجر للقرآن الكريم حسب الظروف التي مرَّ بها الوحي الزمانية
والمكانية، وحتى الذاتية منها الخاصة بكل شخص، والموضوعية التي تشكل الوعي الجمعي
والقيم وسوف نقف بالتفصيل عند هذه الصور والكيفيات بإذن الله تعالى.
المبحث الأول: حال القوم مع القرآن زمن نزول
الوحي
نتدرج
مع هذا المبحث على مراحل ثلاث.
المطلب الأول: تعامل القوم مع القرآن بداية
نزول الوحي
قبل
أن نبثّ في موقف النّاس من الوحي، يجدر بنا أن نعرف العقائد والأعمال التي كلّف
الله عباده وأوصى رسولَ الله ﷺ أن يتعهّدها بالقيام والنماء وأوّل ذلك[28]:
1) الوحدانية المطلقة: فالإنسان ليس
عبداً لكائنٍ في الأرض، أو عنصرٍ في السّماء، لأنّ كل شيء في السّماء والأرض عبدٌ
لله يعنو لجلاله، ويذلّ عند ساحته، ويخضع لحكمه، وليس هناك شركاء ولا شفعاء ولا
وسطاء...
2) الدّار الآخرة: وهو يوم لا ريب فيه،
يلقى فيه النّاس ربّهم، فيحاسبهم حساباً دقيقاً على حياتهم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]،
والنّظر إلى الدّار الآخرة في كل عمل يأتيه المرء أو يذرهُ من أصول السلوك الصحيح
في الإسلام.
3) تزكية النفس: وذلك بلزوم عبادات معيَّنة
شرعها الله، وتركِ أمورٍ أخرى حذراً من مغبّتها... قال أحد حكماء العرب[29]
ممّن شهد الوحي: "إنّ ما جاء به ﷴ عليه الصلاة والسلام لو لم يكن ديناً لكان
في خلق الناس حسناً".
4) حفظ كيان الجماعة: وأحسن ما تمَّ
تطبيقه، ما فعله أبو بكر الصّدّيق رضي الله عنه من بذل الجهد والمال في سبيل فكّ إِسَاره،
وذلك لما لِـحَـقِّ الفرد على الجماعة.
وفي
الوقت الذي بدأت نواة الرّعيل الأوّل ممّن ألّف الله بين قلوبهم تتشكّل، وما كان
لها أن تُبنى هذه الألفة، ولو كان رائدهم رسول الله ﷺ، ولو كان قد أنفق عليهم ما
في الأرض من كنوز كما جاء ذلك في سياق الآيات: ﴿... فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي
الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ
بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[الأنفال: 62-63]، فقد برز قول من قال منهم: ﴿... لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ
الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]، وقد عقّب القرآن على ذلك: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا
سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ
مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].
جاء
في تفسير جامع البيان للإمام الطبري[30]:» وقال
هؤلاءالمشركون بالله من قريش لمّا جاءهم القرآن من عند الله: هذا سحرٌ، فإن كان
حقّاً فهلّا نزل على رجلٍ عظيم من إحدى هاتين القريتين مكة والطائف. واختُلِف في
الرجل الذي وصفوه بأنّه عظيم، فقالوا: هلّا نزّل عليه هذا القرآن فقال بعضهم: هلّا
نزّل على الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، أو حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي
من أهل الطائف؟ -وقد أورد رواية لابن عباس رضي الله عنهما- وفي رواية عن قتادة:
قال: الرجل: الوليد بن المغيرة، قال: لو كان ما يقول محمّد حقّاً أنزل علِيَّ هذا،
أو على ابن مسعود الثقفي، والقريتان: الطائف ومكة... «
ومهما
يكن من أمر فإن موقفهم هذا يعبِّر عن سخطهم عمّا قسم الله وقدّر من أرزاقه فهذا
شأنه وحده وهو أعلم حيث يجعل رسالاته، بل إنّ التّاريخ سجّل على قريش ولا أدلّ على
ذلك ما جاء في القرآن نفسه: ﴿وَقَالَ
الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ
لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26].
وقد
أورد المفسّرون كما سبق في البحث بعض أنواع الهجر فقالوا: ﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾:
تحدّثوا وصيحوا كيما لا تسمعوه، وقوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ يقول:
لعلّكم بفعلكم ذلك تصدّون من أراد استماعه عن استماعه، فلا يسمعه، وإذا لم يسمعه،
ولم يفهمه لم يتّبعه، فتغلبون بذلك من فعلكم محمّداً.
كما أنَّ العرب تساءلوا: لِمَ نزل
القرآن مفرّقاً: أورد العلّامة محمّد الطاهر بن عاشور[31]
تفسير الآية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: 32]:» عود إلى
معاذيرهم وتعلّلاتهم الفاسدة إذ طعنوا في القرآن بأنه نُزّل منجّماً وقالوا: لو
كان من عند الله لنَزل كتابا جملةً واحدةً. وضمير ﴿وَقَالَ﴾ ظاهر في أنّه عائد إلىالمشركين،
وهذه جهالة منهم بنسبة كتب الرسل، فإنها لم ينزل شيء منها جملةً واحدةً وإنما كانت
وحياً مفرّقاً« ...
وفي
الوعد الذي قطعه القرآن على أنّ الروم سيغلبون بعد غلبهم في بضع سنين تحدي واضح في
وجه المشركينالذين
يناصرون الفرس في مقابل الروم وهم أهل كتاب، جاء في زاد المسير[32]
قوله: » ذكر أهل
التفسير في سبب نزولها أنّه كان بين فارس والروم حرب فغلبت فارسُ الرومَ فبلغ ذلك
رسول الله ﷺ وأصحابه، فشقّ ذلك عليهم، وفرح المشركون بذلك، لأنّ فارس لم يكن لهم
كتاب وكانوا يجحدون البعث ويعبدون الأصنام، والروم أصحاب كتاب، فقال المشركون
لأصحاب رسول الله ﷺ: إنّكم أهل كتاب، والنّصارى أهل كتاب ونحن أميّون وقد ظهر
إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الرّوم، فإن قاتلتمونا لَنَظْهَرَنَّ عليكم «.
في
بداية الوحي أيضاً بدأ الهجران للقرآن باستهداف شخص النبيّﷺ من طرف رجل كانيفترض أن
يكون من القريتين عظيم وهو الوليد بن المغيرة، وقد كان يدعى "ريحانة
قريش" في قومه فلما سمعت منه واصفا القرآن: "والله إن له لحلاوة وإن
عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق..." قالت قريش: صبأ الوليد، لَتَصْبُوَنَّ
قريش كلها، فلمّا ذهب إليه أبو جهل ليتحرّى، قال له بعد أن فنّد مزاعمهم، "ما
هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟"[33]وقال
ذلك بعد تَرَدُّدٍ ذُكِرَ في صدر سورة المدّثّر: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ
قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ
وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: 18-24]
ممّا يظهر طبيعة الصراع بين المشركين ودعوة الإسلام.
المطلب الثاني: كيف تعامل الناس مع القرآن عند
الجهر بالدعوة
أورد
ابن ابي حاتم[34]
حديثاً في تفسيره:» عن ابن
عبّاس قال: لمّا أنزل اللهعزّ وجلّ: ﴿وَأَنْذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، أتى رسول الله ﷺ الصفا وصعد
عليه ثم نادى: (يا صحباه) فاجتمع إليه النّاس، فبين رجل يجيء ورجل يبعث رسوله،
فقال: (يا بني عبد المطّلب، يا بني فهر، يا بني عبد مناف، أرأيتم لو أخبرتكم أنّ
خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟) قالوا: نعم، قال: (فإنّي نذيرٌ
لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ)، فقال أبو لهب: تبّاً لكم سائر اليوم، إنّما دعوتمونا
لهذا، فأنزل اللهعزّ وجلّ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وقد تبّ. »
وهذا
الموقف المسجّل من أقرباء النبي ﷺ نوع من هجر القرآن المسبق على الرغم من أنّ
المقدّمات عن شخص النبي ﷺ تقول غير ذلك، فهو الصادق الأمين، الـمُصَدَّقُإلى غاية
أن قال لهم (إني نذير مبين بين يدي عذاب شديد)، قالوا: تبّاً لك ألهذا جمعتنا.
وبعد
هذه الحادثة التي تُعَدُّ سابقة مفصلية في رحلة تبليغ القرآن إلى النّاس، توالت
الأحداث... ومن أهمّها حادثة أدّت بعمر بن الخطّاب صاحب القول المسموع والشكيمة
القوية أن ينصاع لأمر أخته بأن يغتسل قبل أن يقرأ من صدر سورة طه: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ
لِتَشْقَى﴾ [طه: 1-2]... فوجل قلبه، وبادر بالذهاب إلى النبي ﷺ ليُسْلِم
بين يديه ويهدي الله من يشاء إلى صراطه المستقيم، وقد تزامن ذلك أيضاً مع دخول
حمزة عمّ النبي ﷺ الإسلام دفاعاً ومؤازرة لابن أخيه بداية الأمر، وقد كان جهاد
حمزة بعد ذلك ذائعاً شائعاً، فعزّز بذلك معسكر الدعوة في مقابل قريش وأزلامهم.
وبالتزامن
مع الرفض القاطع لأبي لهب، كان موقف عمّه أبي طالب مكافئاً ولكن في الاتجاه
المعاكس فقد عبّر عنه بقوله: "والله لنمنعنّه ما بقينا"، وقبل ذلك خاطب
الرسول عليه الصلاة والسلام بالقول: "ما أحبّ إلينا معاونتك وأقبلنا لنصيحتك،
وأشدّ تصديقاً لحديثك! وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنّما أنا أحدهم، غير أنّي
أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أنّ نفسي لا
تطاوعني على فراق دين عبد المطّلب"، وهنا يتدخل أبو لهب بالقول: "هذه
والله السوءة! خذوا على يديه قبل أن يأخذكم غيركم".
إنّ
الدارس للتّاريخ ولسيرة المصطفى ﷺ يسجّل مواقف مشابهة متكررة لذلك الموقف الذي
وقفه أبو طالب، ومنها ما وقفه المؤلف البريطاني الشهير جورج برنارد شو[35]
"لقد طبع رجال الكنيسة في القرون الوسطى دين الإسلام بطابع أسود حالك إمّا
جهلاً وإمّا تعصّباً، إنّهم كانوا في الحقيقة مَسُوقين بعامل بغض ﷴ ودينه فعندهم
أنّ محمّداً كان عدوًّا للمسيح، ولقد درستُ سيرة ﷴ الرجل العجيب، وفي رأيي أنّه
بعيد جدّاً من أن يكون عدوًّا للمسيح، وإنّما ينبغي أن يُدْعى منقذ البشرية"،
ونقلاً عن صفحة أحد المدوّنين[36] يؤكد:
"إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير ﷴ هذا النبي الذي وضع دينه دائماً
موضع الاحترام والإجلال فإنّه أقوى دين على هضم جميع المدنيات خالدٌ خلود الأبد
وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بيّنة وسيجد هذا الدين مجاله
الفسيح في التعاون والسلام والعدالة في ظلّ شريعة محكمة لم تَدَع أمراً من أمور
الدنيا إلّا رسمته ووزنته بميزان لا يخطئ أبداً" حتى يقول في موضع آخر
"إنّي اعتقد أنّ الديانة المحمّديّة هي الديانة الوحيدة التي تكون حائزة
لجميع الشرائط اللازمة وتكون موافقة لشتّى مراحل الحياة، لا تمضي مائة عام حتى
تكون أوربا ولا سيّما أنجلترا قد أيقنت أنّ الإسلام ملائم للحضارة الصحيحة".
اعتبر
المشركون الدعوة إلى الدين الجديد ثورة يقودها عصاة مغامرون لا بدّ من محاربتها
بكلّ ما أوتوا من قوة، فأعدّوا فريقاً ممن يقوم بتحقير وتسفيه وتشويه الحقائق على
شكل حملات إعلامية شرسة بالمنطق المعاصر، فرسولهم يُرمى بالجنون: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ
عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: 6] ويُتَّهَم بالكذب
والسحر: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ
مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ
هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص: 4]، وكانوا يرمقون أصحابه بنظرات ناقمة وعواطف
هائجة منتقمة[37]:﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا
لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ
لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: 51]، وبهذا المستوى من التعامل حوصر المسلمون في
حلّهم وترحالهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ
يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ
وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا
عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين: 29-33]، وما نقموا منهم إلّا أنّهم
آمنوا بما جاء به رسول الهدى من عند ربّه.
أمّا
على مستوى الأفراد، فقد عرفت الأوضاع تصعيداً وصل حدّ سفك الدماء، حيث عُذِّبت أم
عمّار سميّة من طرف أبي جهل، فصبرت، بل ردّ فعلها جعل أبا جهل يطعنها بحربة في
يديه فيقتلها: وهي أوّل شهيدة في الإسلام، كما عُذِّب عمّار ابنها، وقُتِل قبلهما
أبوه ياسر، ولم يكن رسول الله ﷺبعيداً عن الأبطح عندما تحمى الرمضاء، فيمرّ بهم
قائلاً: (صبراً آل ياسر، فإنّ موعدكم الجنّة)[38]، كما أنّ
الوحي نزل في حق عمّار بن ياسر وهو في أمسّ الحاجة إلى المواساة بعد أن سلّطوا
عليه أنواع التعذيب وارغموه على افتكاك كلمات منه اعتبروها كافية فتوقفوا عن
تعذيبه لكنّه أتى رسول الله ﷺ يبكي فقال: (ما وراءك) قال: شرٌّ يا رسول الله! كان
الأمر كذا وكذا! قال: (فكيف تجد قلبك؟) قال: أجده مطمئنّاً بالإيمان، فقال: (يا
عمّار إن عادوا فَعُد)، فأنزل الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾
[النحل: 106]، وقد حضر عمّار المشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ.
وما
لاقاه بلال معروف لدى كلّ مسلم، وقد ضرب لنا أروع الأمثلة في الصبر والجَلَد، وقد
اشتهر بكلمة التوحيد التي كانت تلازمه: أَحَدٌ أَحَدٌ، حتّى فرّج الله عنه أن سخّر
له أبا بكر رضي الله عنه أن اشتراه وفكّه من أيدي معذّبيه.
ولنا
وقفة مع هذا المشهد التاريخي ليكون مرهماً وعزاءا لكل مسلم يحمل همّ الدعوة:
"لمّا اشتدّت ضراوة قريش بالمستضعفين، ذهب أحدهم -خبّاب بن الأرتّ- إلى رسول
الله ﷺ يستنجد به، قال خبّاب: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة،
فقال: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيحفر له
في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط
الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصدّه ذلك عن دينه، واللهِ لَيُتِمَّنَّ الله هذا
الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئبَ على غنمه،
ولكنّكم تستعجلون)[39]
ولم
يكن رسول الله ﷺ في مأمن من مكرهم، وما زاد في عسر المواقف التي يعيشها بين اللحظة
والأخرى من هذه الفترة العصيبة، الجمع بين ما يصاب هو في شخصه: من إلقاء سلا
الجزور عليه وهو ساجد يصلّي، وإلقاء الأنجاس أمام بيته... بل هو عرضة بين الفينة
والأخرى كما أخبره الوحي: ﴿وَإِذْ
يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ
يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ
اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
[الأنفال: 30]، فبين هذا كلّه من جهة وإيذاء أصحابه من جهة أخرى، يقف
صابراً محتسباً لا يلوي على شيء حتى أتاه وعد الله.
وبالإضافة
إلى الآيات التي وردت في هذا المطلب يحسن بنا أن ننوّه بهذه الآيات التي توضّح
مزيداً من أنواع الهجر للقرآن الكريم في هذه الفترة: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ
الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: 33]، جاء في معاني
القرآن للزجاج[40]،
وقوله ﴿لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، ﴿لَا يُكَذبُونَكَ﴾، ومعنى كَذَبْتُهُ قلت له
كَذَبْتَ، ومعنى أكذبته ادعيت أنّ ما أتى به كَذِب، وتفسير قوله ﴿لَا
يُكَذِّبُونَكَ﴾ أي لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبأت به ممّا في كتبهم. ووجه
آخر: إنّهم لا ُيكَذِّبُونَكَ بقلوبهم، أي يعلمون أنّك صادق، ﴿وَلَٰكِنَّ
الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، لأنّهم إنّما جحدوا براهين الله جلّ
وعزّ وجائز أن يكون فإنّهم لا يكذبونك، أي أنت عندهم صادق، لأنّه -صلّى الله عليه
وسلّم- كان يسمّى فيهم الأمين قبل الرسالة، ولكنّهم جحدوا بألسنتهم ما تشهد قلوبهم
بكذبهم فيه ثمّ عزّى الله نبيّه وصبّره بأن أخبره أنّ الرسل قبله قد كذّبتهم أمم
فقال: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ
مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ
نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ
اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾
[الأنعام: 34]، والحاصل من ذلك أن يثبت على المضيّ في سبيل البلاغ وأن
يجتاز كلّ التحدّيات التي تعترضه، وعلى المؤمنين به، معه أن يثبتوا، وهذا ليس في
مصلحتهم الخاصة فحسب، بل هو مصلحة الأجيال المقبلة، بهذه الأبعاد كان يتسلّح
النبيّ ﷺ والذين آمنوا معه.
وقال
أهل التفسير في الآية: ﴿وَإِذَا
تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ
آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: 73]:
رأوا أصحاب ﷴﷺ في عيشهم خشونة وفيهم قشافة[41]، فعرّض
أهل الشرك بما تسمعون، قوله ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي مجلساً وتأتي الآية بعدها: ﴿وَكَمْ
أَهْلَكْنَا﴾ يا ﷴ قبل هؤلاء القائلين من أهل الكفر للمؤمنين ﴿قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ
أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: 74].
المطلب الثالث: موقف الناس من القرآن في مرحلة
بناء الدولة بالمدينة
لسنا
بصدد سرد الأحداث متسلسلة وإلّا لما أغفلنا مراحل مهمّة جدّاً وأحداثاً فارقة
غيّرت مجرى التاريخ، وإنّما طبيعة دراستنا هذه تجعلنا
نسلّط الضوء على ما كان من مواقف نوردها، وهذه المرة مواقف النّاس من القرآن في
المرحلة المدنية...
بعد
ان سجّلنا في مكة المقاومة والنفور، سوف نرى في المدينة مع دخول عناصر جديدة
تحولاً يكاد يكون معكوساً ففي المدينة لاقى الرسول عليه الصلاة والسلام استقبالا
منقطع النظير هو وأصحابه بالمدينة، منذ أن نزل بها، فالإقبال والاحترام حضرا بقوة،
ولم تمض ثلاثة أعوام حتى أسرع الناس (الأنصار) الى الإسلام يعتنقونه ويشكّلون بذلك
مع المهاجرين أساس الدولة الإسلامية، كما نسجّل موقفا لليهود الذين كانوا يخاصمون
من جاورهم بالمدينة فقد قال أبو جعفر[42]:"وكان
هؤلاء اليهود الذين لمّا جاءهم كتاب من عند الله مصدقا لما معهم من الكتب التي أنزلها
الله قبل الفرقان كفروا به"...والاستفتاح هو الاستنصار على المشركين مخوّفين
إياهم من قبل أن يبعث ويهدّدونهم بشرّ قتلة فكانوا يقولون :إنَّ نبيّاً الآن مبعثه
قد أظلّ زمانه، يقتلكم قتل عاد وإرم[43] فلمّا بعث
الله تعالى ذكرهُ رسوله من قريش واتبعناهُ، وكفروا به".
فاليهود
كان موقفهم هو الكفر بالكتاب كله، وما كان وعيدهم للمشركين ممن جاورهم من العرب
الاّ مناكفة لهم وتخويفاً، إلاّ أنّ مجيء النبي ﷺ من العرب جعلهم يكفرون به فكان
جزاؤهم اللعنة والابعاد، قال تعالى:﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ
اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى
الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
[البقرة: 89]
وفي
قولهعزّ وجلّ:﴿يَا أَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي
الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67]، وقد جاء السياق القرآني في شأن
أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى، وقد ذكر اللهعزّ وجلّ في الآيتين السابقتين:﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ
إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ
أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ
مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ
مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 65-66]، فعلماء التفسير[44]
ذكروا متعلق الآية الذي بعدها في حق اليهود والنصارى وبالمجمل:"قل يا أيها
الرسول لليهود والنصارى إنّكم لستم على حظ من الدين ما دمتم لم تعملوا بما في
التوراة والانجيل، وما جاءكم به ﷴﷺ من القرآن وإنّ كثيراً من أهل الكتاب لا يزيدهم
إنزال القرآن إليك إلا تجبّراً وجحوداً فهم يحسدونك، لأن الله بعثك بهذه الرسالة
الخاتمة التي بيّن فيها معايبهم، فلا تحزن -أيها الرسول- على تكذيبهم".
وهذا
-لعمري- أشنع نوع من الهجران، وهو أن يأتي أمة أكثر من كتاب سماوي وأحدهما يصدق
الآخر، وفي كل من التوراة والإنجيل هدى ونور كما ذكر اللهعزّ وجلّ وأمّا القرآن
فهو نفسه الهدى والنور: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ
نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: 174] وقال عزّ من قائل:﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ
هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 1-2]، وإذا كان التكذيب منهم لرب
العالمين وكتبه فأي هجران أعظم من هذا!؟ وأيّ أدب يتبقى في نفس الإنسان وأيّ خلق
بعد هذا التكذيب، بل وصفهم الله بأشنع الأوصاف كونهم لا يسمعون ولا يبصرون ولا
يعقلون، فقد ذكرهم أكثر من مرة :﴿إِنَّ
شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ
مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: 22-23] وقال عزّ من قائل في أعظم تخويف لمن عطلوا
حواسهم وقلوبهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا
لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ
بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا
أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: 179]
كما
نورد من تواطأوا جماعياً...وفي موقف سلبي سجلوه في حق كتبهم السماوية:
فاليهود:﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي
إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ
الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ
قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
فَبِمَانَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ
مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 12-13]
والآخرون
هم النصارى، ذكرهم اللهعزّ وجلّ بعد ذكره لليهود في نفس السياق من سورة المائدة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى
أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا
بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا
يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 14]، ليجمل النداء لكليهما جميعاً في لحاق الآية
(15) من سورة المائدة دائماً : ﴿يَا
أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا
كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ
مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ
وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16] وفي ذلك توضيح للجزاء لمن اتّبع
ولازم كتاب الله من سبل السلام وإخراج من الظلمات إلى النّور وهداية إلى صراط
مستقيم.
وفي
شأن الكتب السماوية ذكر الله جزاء من تسوّل له نفسه الجحود والكفران فقال عزّ من
قائل: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ
الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا
مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ
يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ
يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا
إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: 46-47]، كما نفى القرآن نفسه في الآية
التي بعدها أيّة علاقة بين الرسول ﷺ والكتب السماوية، لا على سبيل التلاوة ولا
الكتابة، وإلّا فإنّ المبطلين المتربّصين كانوا لجأوا إلى المسارعة بالتشكيك
والمواربة: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو
مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:
48] إلّا أن تكون منظومة الكتب السماوية هذه أصلها من عند الله تعالى: فقد
جاء في تفسير الثعالبي[45]:» وقوله
تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾،
هذه الآية مكيّة ولم يكن يومئذ قتال، وكانت اليهود يومئذ بمكة وفيما جاورها،
فربّما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله
المؤمنين ألّا يجادلوهم إلّا بالتي هي أحسن، دعاءٌ إلى الله تعالى وملاينةٌ، ثم
استثنى من ظَلَمَ منهم المؤمنين وحصلت منه أذية، فإنّ هذه الصنيفة استُثْنِيَ لأهل
الإسلام معارضَتُها بالتغيير عليها والخروج معها عن التي هي أحسن. »
والملفت
للنّظر أنّ أنواع الهجران للقرآن منذ نزوله وطيلة حياة الرسول ﷺ سواء بمكّة أو بالمدينة
لم تزل هي هي بالرغم من أنّ الناس اليوم يهتمّون بشكليات الأمور بدل جوهرها فقد
وردتنا رواية حديث قال المحققون من علماء الحديث: إنّما هو قول لعلي بن أبي طالب
رضي الله عنه: يأتي زمان على أمّتي لا يبقى من الإسلام إلّا اسمه، ومن الايمان
إلّا رسمه ولا من القرآن إلّا حرفه، وقالوا معناه صحيح، وبالنظر اليوم إلى اهتمام
النّاس الذي انصرف أكثرهم إلى حرف القرآن وصورته ورسمه بدل جوهره من الاهتداء
بآياته ومدارسته وملازمته... وهذا يزيد من مظاهر هجرانه، ولا حول ولا قوة إلّا
بالله...
والنتيجة
ما هو واقع بين الناس، لا نكاد ندخل بيتاً حتّى نجد على عتبة بابه آيات تزيّنها أو
على جدرانه، أو جودة المصاحف والأوراق والخط، والأحجام التي كُتب بها القرآن وأحسن
ما عُبّر عن هذا الحال بلسان المقال: لما عجز المسلمون عن تطبيق ما في القرآن
كتبوه بماء الذهب.
المبحث الثاني: أنواع هجر القرآن
المطلب الأول: الهجران الفردي
تساءل
الناس كثيراً عن مبادئ الأمور فيما يخص ميدان التربية والتكوين، أيكون على مستوى
الفرد أولى أم على مستوى الجماعة، أم أنّ الأمر لا يمكن فصله بحال والأجدر أن نهتم
بالجانبين جميعاً دون إهمال أحدهما على الآخر، إلّا أنّ الحكمة تقول أنّه لكل مقام
مقال...
والذي
نحن بصدده من دراسة في موضوع الهجر اخترنا أن تكون البداية على مستوى الفرد لما له
من أهميّة في بناء الجماعة، وأنّ التشخيص يحتاج إلى فحص تفصيلي...
ففي
القرآن الكريم ورد ذكر مصير الفرد خاصة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]، ﴿... كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾
[الطور: 21]، ﴿وَلَقَدْ
جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ...﴾ [الأنعام: 94]،
ومن لطائف ما تداعى إلى البال من خواطر فقد ذكر اللهعزّ وجلّ ذلك الإنسان على
الإفراد وبالتفصيل والذي له علاقة بهجران القرآن فقال في سورة المدّثّر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: 11-12]، وقد سجّل القرآن عليه
انقلاب حاله وأنّه: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ
وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: 18-19]...
وقال
عزّ من قائل في سورة الإسراء: ﴿وَكُلَّ
إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا
اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:
13-14]، واللهعزّ وجلّ إنّما يحاسب النّاس على إخلاصهم ونيّاتهم وهو ما يخصّ
كلّ فرد لوحده.
قال
الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا
أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا
لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا
مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ
إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: 46]،
قال ابن عطيّة الاندلسي في تفسيره الوجيز[46] وما يخصّ
هذه الآية: »... وكأنّ
المعنى أن يفكّر الواحد بينه وبين نفسه ويتناظر الإثنان على جهة طلب التحقيق: هل
بمحمّد ﷺ جِنَّة أم لا؟ وعلى هذا لا يوقف على ﴿تَتَفَكَّرُوا﴾ وقدّم المثنّى لأنّ
الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإذا انقدح الحق بين الإثنين
فكّر كلّ واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة، وقد قال الشاعر:
إذا اجتمعوا جاءوا بكلّ غريبة فيزداد
بعض القوم من بعضهم علما ».
والحق
أنّه من يطلب التحرّي في الأمور، والتحقّق من صحّتها، هو فعلاً من يكون إلى
البيّنة أقرب، ومن يريد أن يلفّ القضايا بأنواع التعميمات وإدخال النّاس في الشرود
هو من يكون إلى الشعوذة والباطل أقرب...
وديننا
والحمد لله دين البيّنة والدليل، ولا تكاد تخلو الآيات من الدعوة إلى التّدبّر
والتّفكّر وإعمال العقل والقلب، والسير في مناكب الأرض طلباً للحقائق واكتشاف
السنن...
ومن
الآيات التي تعدّ من منطلقات ومبادئ البناء والتربية ما ذكره اللهعزّ وجلّ في
قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا
يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ
تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 105]، قال صاحب المحرّر الوجيز[47]:
» قوله
تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا
يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، اختلف الناس في تأويل هذه
الآية، فقال أبو أميّة الشعباني سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية، فقال: لقد
سألت عنها خبيراً. سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: (ائتمروا بالمعروف وانهوا عن
المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وهوًى متّبعاً وشحّاً مُطاعاً وإعجاب كلّ ذي رأي
برأيه فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامّهم، فإنّ وراءكم أياماً أجر العامل فيها كأجر
خمسين منكم)، قال القاضي أبو محمّد[48]: وهذا
التأويل الذي لا نظر لأحد معه لأنّه مستوف للصلاح صادر عن النبيّ عليه السلام،
ويظهر من كلام أبي بكر الصّدّيق رضي الله عنه أنّه بلغه أنّ بعض النّاس تأوّل
الآية أنّها لا يلزم معها أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فصعد المنبر، فقال: أيّها
النّاس لا تغترّوا بقول الله ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ فيقول أحدكم عليَّ نفسي،
والله لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف ولَتَنْهُوُنَّ عن المنكر أو ليستعملنَّ عليكم
شراركم فليسومنّكم سوء العذاب. »
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:
قلت يا رسول الله ما النجاة؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: (امسك عليك لسانك وليسعك
بيتُك وابك على خطيئتك)[49]
وفي الحديث من الصفات ما لا تخفى في القرآن الكريم: من امساك اللسان، وكان ايراد
الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3] وفي
قوله وليسعك بيتك دعوة إلى الالتزام بالبيت والسكن بها فقالعزّ وجلّ: ﴿...لِتَسْكُنُوا
إِلَيْهَا...﴾[الروم: 21]، والبكاء على الخطيئة يحمل معنى التوبة وهو جزء منها،
وباستحضار هذه الصفات والتي وردت من سورة المائدة أضدادها: من دنيا مؤثرة وهوًى
متّبعاً وشحّاً مُطاعاً وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فالعمل بما في هذه النصوص
القرآنية والأحاديث النبوية الشفاء والهدى ما يخرجنا من دائرة الهجر للقرآن والأجدى
من ذلك والأحرى أن نؤسّس لأنفسنا بناءً ربانياً لا يتزعزع بتقادم الأيام واختلاف
الأحداث، وصدق الشاعر إذ يقول وهو يشير إلى أهميّة تربية وإعداد الأمهات:
الأم مدرسة إن أعددتها أعددت
شعباً طيّب الأعراق[50]
وما
الأم إلّا خلية من نسيج الشعب أو الأمة، كذلك كلّ فرد من أفراد الأسرة، والخير
كلُّ الخير أن يهتمّ كلّ إنسان بخاصّة نفسه، فقد ذكر المدرّب الشهير إبراهيم
الفقّي قصّة افتراضية فيها فائدة: قال أحدهم: شعرت في نفسي بقدرة على التغيير فقلت
أغيّر العالم، وعملت على ذلك، ومرّت الأيام والأشهر والأعوام ولم يتغيّر العالم،
فقلت أغيّر قارة افريقيا، ومرّ الوقت دون نتيجة، فقلت أغيّر دولتي، ولم تتغيّر
دولتي بمرور ما يكفي من الوقت، فقلت أغيّر بلدتي وهي أيضاً لم تتغيّر فقلت عائلتي،
وعائلتي حتّى... لم تتغيّر، وليتني انتبهت قبل هذا وأنا الآن استعدّ للرحيل إلى
العالم الآخر عملت على تغيير نفسي أوّلاً فتتغيّر عائلتي فيتغيّر الجميع.
السؤال
الذي يُطرح على كل واحد منّا، هل يمكنني أن أنجو بنفسي وأخرج بها من حالة الهجران،
أم أنّ هذا الهجران قد كتب علينا فكان قدراً مقدورًا، والجواب بكل تأكيد أنه
يمكنني أن أغيّر مابنفسي، وأنّ الله سبحانه يحب لنا الخير فقد قالعزّ وجلّ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ
عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ
الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ
لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَى...﴾ [الزمر: 7]، كما أنّ اللهعزّ وجلّ حضّنا على التغيير فقد جاء
في سورة الرعد :﴿...إِنَّ اللَّهَ لَا
يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ...﴾ [الرعد: 11]، فالمبادرة بيد
الإنسان حتى يتحمّل مسؤوليته كاملة ولا يتواكل! ويكون ذلك حسب الحالة الراهنة له
فإذا كان في حالة لا يرضى بها ومن أهدافه أن يتغير إلى حالة مطلوبة[51]
فما عليه إلاّ أن يستعمل بعض التقنيات البسيطة الممتعة التي بإمكانها أن تؤهّلهُ
أن يظفر بما يريد...
وأما
إن كان في حالة نعمة فليس من الخير أن يغيّر ما به من نعمة إلّا أن يفعل ذلك
مفرّطاً فيما خوّله الله إياه، فقد قال ربّناعزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً
أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:
53].
الملاحظ
في بلادنا الإسلامية قلّة وجود مراكز التدريب والتطوير، والسبب بداهة هو عدم أو قلّة
من يريد ولوج هذه المراكز من أجل تدريب ذاته وتطوير قدراتها ومهاراتها، على عكس ما
نجد عند الغرب من وجود المراكز التدريبية وبالوفرة، ومَرَدُّ ذلك طبعاً اختلاف
الثقافات والقيم والمعتقدات التي بحوزة الشعوب في كل منطقة، ومع ذلك فإنّه لا يمنعنا
أن نتفتّح على كلّ ما من شأنه أن يحفّزنا أن نكون ناجحين قادرين على حلّ مشاكلنا
بأنفسنا، بل وأن نكون إشعاع أمل وخير على غيرنا من الأمم كما كان أسلافنا ممَّن أدركوا
قيمة التمكين في الأرض، وأنّ أمم الدنيا في أمسّ الحاجة لمن ينقذها من التيه
والضياع في ظلّ المادّيّة، والسعي وراء السراب بدعوى حق التّمتّع بالحريّة الشخصية
تارةً، وبحريّة التعبير أخرى، وبكسر الطابوهات كما يحلو للبعض تسميّتها، ونشير هنا
بالمناسبة إلى أنّه يوجد في بلادنا من أُبهروا بالتطور المزيّف، فنسمع بالحي
الجامعي الفلاني الذي لا ينام! وعندما نحاول معرفة من يفرّطون في نومهم وما
يحقّقونه من مكاسب، نجد أنّهم فقط يقضون ليلتهم بيضاء من أجل الترفيه والتفريغ (ما
بهم من تخزين سلبي) وذلك بالرقص والغناء، طبعاً وإحراج الآخرين ممّن يرتاحون ليلهم
من أجل بداية موفقة ليوم جديد من الجدّ والنشاط بدايته صلاة الفجر، بينما هؤلاء
السامرون الساهرون هاجرون للقرآن، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ
فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا
تَهْجُرُونَ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ
آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ
مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ
بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾
[المؤمنون: 66-70]
فالهجر
هنا لا يكون إلّا بالتّسامر على حساب القرآن ورسول الله ﷺ كما نعرف ولكنّه صدر من
جماعة وليس من فرد واحد، إلّا أنّ التخلص الفردي لأحدهم ممّن يجتمعون على السمر
والسهر من الهجر: أن ينسحب منهم قائلاً بلسان حاله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا
نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، ولمزيد من تسليط الضوء على معنى هذه الآيات، نشرع في
إيراد المطلب الموالي...
المطلب الثاني: الهجران الفئوي (الجهوي)
وهو
مرتبط في المعنى بالهجران الفردي الذي سبقإلّا أنّ الهجران الجماعاتي كما يمكن
تسميته أخطر من الفردي، فقد جاء في تفسير الثعالبي[52]:»وقوله
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن وتنكصون معناه: ترجعون
وراءكم، وهذه استعارة للإعراض والإدبار عن الحق و﴿مُسْتَكْبِرِينَ﴾ حال والضمير في
﴿بِهِ﴾: عائد على الحرم والمسجد وإن لم يتقدّم له ذكر لشهرته، والمعنى أنّكم
تعتقدون في نفوسكم أنَّ لكم بالمسجد الحرام أعظم الحقوق على النّاس والمنزلة عند الله،
فأنتم تستكبرون لذلك، وليس الاستكبار من الحق، وقالت فرقة: الضمير عائد على القرآن
والمعنى: يُحدث لكم سماع آياتي كِبراً وطغياناً، وهذا قول جيّد...قوم سُمّرٌ
وسَمَرةٌ وسامر، ومعناه: سُهَّرُ الليل مأخوذ من السّمر وهو ما يقع على الأشخاص من
ضوء القمر... وكانت قريش تسمُرُ حول الكعبة في أباطيلها وكفرها... قال ابن عبّاس
معناه: تهجرون الحق وذكر الله، وتقطعونه من الهجران المعروف ».
ومن
الهجران الفئوي أن تحسب فئة أو جماعة من المسلمين ممّن يعتبرون أنفسهم أو جماعتهم
هم الأحسن وهم الأكثر، وهم الأقوى... وهذا واقع بين المسلمين، وقد يصل حدّ التناطح
والتصادم والتخاصم، وفي أحسن الأحوال التنافس، وليته كان تنافساً محموداً كما حفّز
الله عباده: ﴿...وَفِي ذَلِكَ
فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: 26] فيما عنده من جزاء
وثواب لعباده المتقين، وأمّا التّعاون والوحدة والاجتماع فهذا هو المطلوب حيث أمر
اللهعزّ وجلّ في مواطن شتّى من الذكر الحكيم من مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ
اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا
نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا
حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا
وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل
عمران: 102-105]
وكذلك:
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46]
أمّا
من سورة الحجرات فقد كانت الآيات جامعة للظروف التي يمكن أن تكون عليها العلاقات
بين المسلمين الفرديّة والجماعيّة (الطائفيّة) فقال اللهعزّ وجلّ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ
اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ
مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ
وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ
الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي
حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ
فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ
يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ
خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا
أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ
بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: 7-11]
ففي
الحالات العاديّة حيث الأوضاع المستقرّة يمكن للأفراد والجماعات أن تتعاون وتجتمع
وتتراحم وقد ذكر نبيّ الرّحمة ﷺ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ،
وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَكْذِبُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا،
وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ الشريف ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ
أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ:
دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ)-رواه مسلم-، إلّا أنّ نوازع النّفس ووساوس الشيطان
وغيرها من الشدائد التي تجتاح المسلم وقد أعلمنا اللهعزّ وجلّ عن طبائع الإنسان
التي تخدش تقواه، بل يتعرّض إن لم يتدارك نفسه إلى أن يدخل في ظلمات لا يعلم مداها
إلّا الله، وقد فاتت معنا الآيات فيمن اسودّت وجوههم: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ
بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ
وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ
وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ
وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا
كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 105-106]، فياله من مصير مهول!! وهو
هجران للآيات الواضحات من القرآن الكريم، كما أنّ رسول الهدى عليه الصلاة والسلام
أكّد أنّ احتقار المسلم أخاه إثم مكتمل الأركان: (بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ
أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ) كما في الحديث السالف الذكر.
ومن
رحمة الله الرّحيم الودود أن يذكر لنا مشاهد قرآنية كانت في الذين من قبلنا حتّى
نعتبر منها ونتعظ بما ذكره سبحانه فقد قال فيما قاله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:
135] وهذه نقلة نوعية في الخطاب القرآني، فمن مشهد الأمر والنهي والنتائج
المترتّبة عن كلّ منهما إلى فضاء واسع يخرجنا من نطاق الذات الضيّق إلى آفاق
الرصيد التاريخي للأديان السماوية وما آلت إليه وما يسبّبه منطق ﴿أَنَا خَيْرٌ
مِّنْهُ﴾ من الدخول في ظلمات وعذابات، وهذا منطق خطاب نبيّ الله إبراهيم عليه
الصلاة والسلام مع النمرود: ﴿أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ
الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ
الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 258].
جاء
في تفسير السّعدي[53]:»أي
دعا كلٌّ من اليهود والنصارى المسلمين إلى الدخول في دينهم، زاعمين أنّهم هم
المهتدون وغيرهم ضال. قُل له مجيباً جواباً شافياً: ﴿بل﴾ نتّبع ﴿ملّة إبراهيم
حنيفاً﴾ أي: مقبلاً على الله، معرضاً عمّا سواه، قائماً بالتوحيد، تاركاً للشرك
والتنديد »...
وقد
استقبح ديننا الإسلام من تقطّعوا أمرهم وفرّقوا دينهم ففي سورة المؤمنون: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ
زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: 53] ومن سورة الرّوم: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
[الروم: 32].
جاء
في تفسير السّعدي[54]:»... فالواجب من
كلّ المنتسبين إلى الأنبياء وغيرهم، أن يمتثلوا هذا ويعملوا به، ولكن أبى الظالمون
المفترقون إلّا عصياناً، ولهذا قال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾
أي تقطّع المنتسبون إلى اتباع الأنبياء، ﴿أَمْرَهُم﴾ أي دينهم ﴿بَيْنَهُمْ زُبُرًا﴾
أي قطعاً، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ أي بما عندهم من العلم والدين، ﴿فَرِحُونَ﴾
يزعمون أنّهم المحقّون، وغيرهم على غير الحقّ، مع أنّ المحقّ منهم، من كان على
طريق الرّسل، من أكل الطيّبات، والعمل الصالح، وما عداهم فإنّهم مبطلون ».
فالأجدر
بهم أن يتّفقوا قبل افتراقهم، وأن يثبتوا على ما ورثوا من أنبيائهم كما في الآية
السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ
كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا
إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً
وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 51-52]
»هذا أمر منه تعالى لرسله بأكل
الطيّبات، التي هي الرزق الطّيّب الحلال، وشكر الله بالعمل الصالح الذي به يصلح
القلب والبدن، والدنيا والآخرة، ويخبرهم بأنّه بما يعملون عليم، فكلّ ما عملوه،
وكل سعي اكتسبوه فإنّ الله يعلمه، وسيجازيهم عليه أتمّ الجزاء وأفضله، فدلّ هذا
على أنّ الرسل كلُّهم متّفقون على إباحة الطّيّبات من المآكل، وتحريم الخبائث منه،
وأنّهم متّفقون على كلّ عمل صالح وإن تنوّعت بعض أجناس المأمورات واختلفت بها
الشرائع، فإنّها كلَّها عمل صالح، ولكن تتفاوت بتفاوت الأزمنة، ولهذا فالأعمال
الصالحة التي هي صلاح في جميع الأزمنة، قد اتّفقت عليها الأنبياء والشرائع، كالأمر
بتوحيد الله، وإخلاص الدين له، ومحبّته وخوفه، ورجائه، والبرّ والصدق والوفاء
بالعهد، وصلة الأرحام، وبرّ الوالدين والإحسان إلى الضعفاء والمساكين والأيتام
والحنو والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك من الأعمال الصالحة، ولهذا كان أهل العلم،
والكتب السابقة والعقل، حين بُعث الرسول ﷴﷺ يستدلّون على نبوّته بأجناس ما يأمر
به، وينهى عنه، كما جرى لهرقل وغيره، فإنّه أمر بما أمر به الأنبياء الذين من
قبله، ونهى عمّا نهوا عنه، دلّ على أنّه من جنسهم، بخلاف الكذّاب، فلا بدّ أن يأمر
بالشّر، وينهى عن الخير ». فبدلاً من أن يهتمّ الأفراد في جماعات المسلمين
بمنهج أنبيائهم الموحّد فيما يأتون وما يذرون، فإنّهم يغفلون عن ذلك، ويقتفون آثار
غيرهم في الجماعات الأخرى ليحكموا عليهم بالفشل وعدم الصلاح والنتيجة أنّهم هم
الناجحون وهم الأصلح، وكأنّهم بلسان الحال يقولون لهم لو أنّكم أخليتم لنا السّاحة
لحقّقنا نجاحات أفضل![55]
فهجرهم
للقرآن هو ما يسهّل عليهم مخالفتهم لأنبيائهم والنتيجة وبلسان الحال: قالت جماعة
عمرو ليست جماعة زيد على شيء، وقالت جماعة زيد ليست جماعة عمرو على شيء، وهم يتلون
القرآن؟!
إنّ
الذي يجمع الأفراد والجماعات أكبر بكثير ممّا يفرّقهم بل لا يكاد يكون هناك وجه
للمقارنة: فالله خالقنا سبحانه، وديننا الإسلام، والقرآن كتاب الله نور صدورنا،
وقبلتنا واحدة، وصلاتنا نفسها وباقي الشرائع ومصادرها،،، والذي يفرّقنا لا يكاد
يكون اختلافاً شكليّاً على مستوى الأذواق والتفضيلات واختلاف الألسنة والألوان،
وما هي إلّا آيات من آيات اللهعزّ وجلّ،،، والأجدى أن ننظر إلى بعضنا البعض على
أنّنا آيات، فأنا أراك آية من آيات الله، وأنت ترى فلاناً آية من آيات الله
وهكذا...
ولا
بدّ أن يسود جو الوفرة والسريان في الحقل الدعوي بدل الشّح المطاع والانسداد
والغليان، والذي يجعل من الحبّة قبّة بمرور الوقت لتتراكم المناكفات والمخاصمات
وتتضخّم... والمآل الذي نصل إليه أن تنفلت الأمور من عقالها، وتستيقظ الفتنة من
سباتها، وتطلّ برأسها على الجميع ليدخل النّاس في عذابات وظلمات، قال عزّ من قائل ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا
تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46] وإلّا: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ
فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ
بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ
نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: 65]
إنّ
آيات الحض على الوحدة والإخاء والتعاون على البرّ والتقوى واضحة متوفّرة، وكذا
آيات مكارم الأخلاق التي تعزّز الوحدة بين المسلمين وتحفّزهم على فعل الخيرات وترك
المنكرات فقد ذكر الله من يفعل ذلك بقوله: ﴿...وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ
فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ
اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: 7-8]ومن نفس السورة أورد اللهعزّ وجلّ آيات: حسن الظّنّ
وترك السخرية وسوء الظّنّ والغيبة وكلّ ما يعكّر صفو الإخاء والتعاون والوحدة، فقد
قال عزّ من قائل بعدما أكّد ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ
مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا
تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ
الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ
وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ
بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ
يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 11-12]
والنّظرة العامّة التي تكون للمسلم بعد
ذلك لغيره ما ورد ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]
المطلب الثالث: الهجران العّام
قبل
أن نشرع في دراسة الهجران العّام رأينا أن نسوق بعض الملاحظات من شأنها أن تكون
إحاطة بالموضوع:
1) لقد تقرّر على المستوى الرّسمي
الدوّلي (الأممي) أو على المستوى القومي للدّول إنشاء مكاتب ومخابر للدراسات
الإستراتيجية للاستشراف ومعرفة اتجاه الأحداث كي يكون التعامل معها في المتناول.
2) روح المبادرة والتحفيز من أهم القيّم
الفرديّة والجمعيّة التي تتحلّى بها الأمم المتقدّمة؛ والذي يخشى السّقوط لا يركب
ويعيش بين الحفر.
3) الانسجام مع الحياة وقوانين الكون من
وفرة وسريان الطاقة والحفاظ على التوازن الطبيعي ودوراته.
4) للتاريخ محطات مهمّة من يُـحْسِن
فهمها يكون له قصب السّبق في مختلف ميادين الحياة.
5) الدراسات والإنتاج الفكري ونقد
الفرضيّات والنظريّات بصفة مستمرة أهم أدوات التحكّم التكنولوجي.
6) عمدت بعض الدول إلى تبني مبادرات
لخبراء وعلماء في ميدان التدريب والتطوير.
سئل
ابن باز[56]
عن معنى حديث: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة) فأجاب الشيخ رحمه الله:
"هذا صحيح رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح، والمعنى: التشجيع على العمل، وإلا
فمعلوم؛ عند قيام الساعة ما يتمكَّن أن يُسَوّي شيئا. لكن المقصود التشجيع على
العمل، وأن الإنسان عليه أن يعمل، وفيه حث على الزراعة والغراس، وأنه ينبغي للمؤمن
أن يكون ذا عمل، ليس ذا بطالة وكسل كما يفعل بعض الناس،لا! ينبغي للمؤمن أن يكون
ذا عملٍ، ذا همّةٍ في الزراعة، في غرس الأشجار، في أنواع المكاسب: من نجارة، من
حدادة، من غراسة، من كتابة، من غير ذلك، لا يبقى معطّلاً، بل يعمل، وفي الصحيح عن
النبيّ ﷺ أنّه قال: (على كلّ سلامى منكم صدقة) قالوا: يا رسول الله، فإن لم يجد ما
عنده مال؟ قال: (يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدّق)، وقال عليه الصلاة والسلام: (احرص
على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز) الحديث رواه مسلم" انتهى قول الشيخ.
فالمؤمن
القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، ومن قوّة وكمال دينه:
العمل والـجِدُّ والنشاط في طلب الرزق، وفي صحيح البخاري: (ما أكل أحدٌ طعاماً
أفضل من أن يأكل من عمل يده، وإنَّ داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده)[57]
قال الشاعر الراحل أبو القاسم الشابي[58]:
وَمَنْ يَتَهَيَّبْ صُعُودَ الِجبَالْ يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ بَيْنَ الحُفَرْ
نحن
نعيش في هذا العالم المزدحم بالأحداث، ومساهمتنا في السير في كبكبته حتمية لا مراء
فيها ولا جدال، بل وتسجيل حضورنا في الأصل يمليه علينا ديننا وقيمنا، إلاّ أنّ
وضعنا الحالي في هذا الخضمّ لا يسمح لنا بالظهور والبروز كقوة على الأقل مساهمة في
صياغة البناء الإنساني الشؤوني والشجوني على المستوى الخارجي، أما على المستوى
الداخلي فإنّه يجدر بنا ممارسة النقد الذاتي باستمرار. إن أردنا تقييما اليوم نجد
أنفسنا في حالة إفلاس، فقد أعجبني قولالشيخ محمّد الغزالي في إحدى محاضراته وهو
يكلّم الحضور عن حالنا وما آلت إليه أوضاعنا بينما كنا قبل هذا قادةً وسادةً،
فقال:"مثلنا ومثل الغرب، كمثل رجل كان يحمل كيسا من الملح فأثقل
الإملاق كاهله فاجتاز حوضا به ماء، وتخلص منه، ورجل كان يحمل كيسا من الصوف خفيفا
فأراد أن يقلّد الأول، فاجتاز الحوض فأثقل عليه الحمل فهو يعاني ولا يستطيع
حراكًا."
إن
الانسان البسيط الذي يعيش تفكيره في مجال ضئيل لا يمكن أن يكون فاعلا في الساحة،
حتى لا نقول غير ذلك، وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ للتاريخ محطات كما صدّرنا به
مطلبنا هذا في الملاحظات، فلا بد أن ننظر إلى حالتنا الراهنة لنعرف بعدها الحالة
المطلوبة، فيكون السير قاصدًا ومباشرًا وفق رسالته[59] ورؤيته[60]؛ مبدؤه:
الحالة الراهنة واتجاهه الحالة المطلوبة؛ نتحرك مُلهمين لا نلوي على شيء، ولنعلم
كذلك أن للتاريخ دورات، فإن كان تَـحَرُّكُنا مُفعماً بالهدى ودين الحق فإننا نصل
ويتحقق وعد الله فينا كما تحقق في نبيّ الهدى ﷴﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: 28] سلاحنا في ذلك ونورنا وعزّنا
قرآننا دنيا ودين،والله هادينا بإذنه إلى صراطه المستقيم، وإلّا فإننا نعين على
حالة التردي والانحطاط التي نحن فيها، بل نحن (في حالة التلكؤ والتوكؤ والتردد)
نكون أول من يهجر القرآن هجراً مّما يؤدّي بالآخرين إلى هجره بالتبع، وهو ما يسعى
إليه الشيطان الذي يرانا من حيث لا نراه، ودعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه
فيها(ولا نجاة إلّا بإلتزام جماعة المسلمين وإمام المسلمين)، وهاته مختلف التحديات
التي تقف أمامنا تصدّنا عن تحقيق ما نريد من أهداف وفق ما نتحلّى به من قيّم ،
وهكذا يكون وقوفنا على المحك، فإمّا أن يصدق فينا قول اللهعزّ وجلّ:﴿...وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا
يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ
اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120] فمتى كان صبرنا في
إقامة حدود وحروف القرآن برنامـجُنا الرسمي وجدول أعمالنا اليومي نلهم النور الذي
يضيء طريقنا، وإلا فإنّ الظلمات والمتاعب والضربات والعياذ بالله تلازمنا.
وإن
كان الركون إلى الراحة والدعة، واستساغة السهرات، وإحياء الليالي بالأغاني والسمر
واتّباع سنن الذين من قبلنا شبرًا بشبرٍ وذراعًا بذراعٍ حتى إذا دخلوا جحر ضَبٍّ
دخلناه،،، بل وإن كان لابد من تقليد فَلِما لا نمتطي حصان الحكمة، ونعمل على تطوير
ذواتنا على مستوى المهارات والقدرات ونكسب أجيالنا التجارب، بدل استيراد كل شيء
بما فيها القشور، بل القشور هي التي تسّوق الينا مادام أن الأمور بيد غيرنا،
وهيمنة الآخر ستستمر وهو يريد تكريسها عبر مكاتبه الاستعلامية ومخابره الدراسية
ودوائره المخابراتية، بل إنه ليرصد المبالغ الضخمة من أجل أن يعرف حتى خصوصياتنا
من أذواق وتفضيلات ومعايير ناهيك عن القيم والتقاليد والاعتقاد وقد قال اللهعزّ
وجلّ:﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ
حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ
كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 36]
فالموقف
جلل والوضع خطير بكل ما تحمل هذه العبارات من معان، ولَكَم تكون الشفقة على حالنا
هذه حاضرة؛ فإما أن نكون ممن قال فيهمعزّ وجلّ :﴿...وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ
فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ
اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: 7-8] وليس الايمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن بما وقر في
القلب وصدقه العمل، فالإتيان بالمقدّمات هي منوطة بالإنسان، وهو الذي يبادر إلى
الخير وإلى طريق الحق، وأن يقرّر ما إن كان يريد أن يتخذ إلى الله سبيلا، وقد ذكر
الله في عدة مواضع من السور في مثل:﴿إِنْ
هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾
[التكوير: 27-28]، وفي مثل:﴿إِنَّ
هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ
إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: 29]
وقد
يَرِدُ الهجران العام للقرآن المطبق ونكون نحن آخر من يسدل عليه هذا الستار القاتم
علينا وعلى البشرية فنستحق بذلك -والعياذ بالله- قول الله فينا:﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا
تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ
أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ
بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 43-44]، أو قولهعزّ وجلّ:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا
أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ
فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ
اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159] أو كما قال
سبحانه:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا
يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174]
ومن
مظاهر الهجران العالمي العام للقرآن ما فعله علماء الاستشراق وعلى رأسهم جولدتسيهر[61] صاحب
الموسوعة الذي أقام دراسات معمّقة حاقدة ماكرة على القرآن الكريم وأهله تتضمن
مطاعن قاتلة لمصادر التشريع وخاصة القرآن والسنّة، وعلى المستوى الرسمي فقد قام
أحدهم عند تمزيق المصحف ظنّاً منه أنّه يقضي بذلك على الإسلام فقال له كبيرهم إنما
أقصد أن نفرغه من محتواه ونجعل المسلمين يتخلّوا عنه.
المبحث الثالث: أسباب الهجران وأثره على السلوك
العام الإنساني
المطلب الأول: ما كان سبب الهجران البيئة
والظروف
المرء
ابن بيئته، فِعلاً هذه المقولة صحيحةٌ إلى حدٍّ بعيدٍ، والمتدبِّر في الآية:﴿وَمِنْ
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ
وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: 22].
فالأعراب
على عهد الرسول ﷺ وبالرغم من مجاورتهم للصحابة إلّا أنهم كانوا يفرحونهم عندما
يأتون إلى رسول الله ﷺ يطلبون حاجتهم أو يسلم من يسلم على يديه، فقد كانت مواقفهم
وأقوالهم تترك الأثر العجيب المثير لدهشة الصحابة، ويجعلونهم يطّلعون على الجديد
منهم، وقد انْبَنَت على ما ثبت من الروايات الصحيحة أحكامٌ وعبرٌ وعظاتٌ قدرًا
معتبرًا، ففي الحديث المتفق عليه – عن ابي هريرة رضي الله عنه أنّ أعرابيا أتى
النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دُلَّني على عمل إذا عملته ،دخلت الجنة؛ قال:(تعبد
الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)،قال:
والذي نفسي بيده؛لا أزيد على هذا، فلما ولّى ، قال النبي ﷺ:(من سرّه أن ينظر إلى
رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا)-متفق عليه-
أمّا
سورة التوبة ففيها من طباع الأعراب وغيرهم ما يثير إعمال الفكر والعقل متدبرين
فيما ذكره الله فيهم، فلله في خلقه شؤون؛ فهؤلاء قال فيهم:﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ
يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 98]
وهم يمثلونبذلك الفئة الماكرة المذمومة، وبعدها يأتي ذكر الآية الموالية في الفئة
المؤمنة المرحومة قال فيهمعزّ وجلّ:﴿وَمِنَ
الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا
يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 99]
قسّم
روبرت دولتر[62]
مستوياته المنطقية الى ستة، مستويات بعضها فوق بعض:
فذكر أول مستوى: البيئة، والثاني:
السلوك، أما الثالث: القدرات والمهارات، والرابع: القيم والاعتقادات، أما الخامس:
الهوية، والمستوى السادس: الصلة أو الجانب الروحي.
فمعرفة
البيئة وهي كما صنّفها تأتي في المستوى السطحي، أي تأثّر الإنسان بالبيئة أو تأثيره
هو أبسط مستوى، وبإمكان أيّ واحد منّا أن يغادر بيئته، كما أنّنا نلحظ أنّه: لا
نبيّ في قومه -كما ذاع واشتهر وشاع-، فبإمكان المرء الذي لا يحقّق تغييرا أو نجاحًا
في بيئته أن يحقّقه في بيئة غيرها حيث تختلف الظروف التي كانت تواجهه، وقد ورد في
القرآن ما يفيد هذا المعنى فقد قالعزّ وجلّ:﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ
قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا
مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا
أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] وقد
استثنى السياق القرآني من استثنى فقال:﴿إِلَّا
الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا
يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ
أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ
عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 98-99] ثم ذكرعزّ وجلّ ما للهجرة من فوائد:﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا
إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ
عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا﴾ [النساء: 100]
كما لا تخفى علينا قصة من قتل تسعا
وتسعين نفسا وأنَّ حَلَّ توبته تعلّق بأن يهجر بلدته وقد جوزي على نيّته، إذ أنه
توّفي قبل أن يصل إلى ما أراد أن يهاجر إليه.
وقد
يصاب المرء بالشلل والسكون المذموم في بيئته وتأسره الظروف، ويصاب بالكآبة وتختلط
عليه الأمور وتتداعى إليه الكروب ولا يجد لضيقه متنفّسا ولا لهمّه فرجًا إلّا أنّ
دواءه في تغيير ما بنفسه، وقد سبق معنا ذكر الآية من سورة الرعد:﴿إِنَّ اللَّهَ
لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[الرعد: 11]
مستعينا بالله، ومستصحبًا الشفاء في القرآن فقد جاء في الحديث الشريف: (ما أصاب
عبد قطّ همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهم إنّي عبدك ابن عبدك ابن آمتك ناصيتي بيدك ماضٍ
فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكلّ اسم هو لك سمّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك
أو علّمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم
ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همّي وغمّي، إلّا أذهب الله همّه وأبدله
مكانه فرحاً)[63]
فالبيئة
قد يضيق محيطها فتعجز على أن تكون واسعة لتحتضن نوابغها، فتموت المواهب وتُطْمَر
المهارات، ومن ثمّ فإنّ الآيات البيّنات مآلها الهجران، إلّا أنّ الإنسان المسلم
الحامل لِهَمِّ التغيير، فلا يمكن للظروف أن تُتْلِفَه كما أُثِر عن الشيخ
العلّامة عبد الحميد بن باديس: الظروف تكيّفنا ولا تتلفنا، فقد لا يجد الإنسان في
بلدته الظروف المهيّئة ليتفرّغ إلى مهامّه في تعهّد القرآن حفظاً وتعلّماً
وتحلّماً[64]
ومدارسة، بينما يجد ما يريدهُ من أهدافه تحقيقها في بيئة أصغر منها، وَلَقَدْ
شهدنا عودة بعض الشباب إلى البلدة وهم في وفرة من العزم والحزم وعدم إضاعة الوقت
ويحسّون بالغبن عندما يرون أبناء بلدتهم يُهدِرون أغلى أوقاتهم في غير طائل.
وعلى
الإنسان الذي لا يستطيع حيلةً ولا يهتدي سبيلاً في أن يهاجر قريته وأن يعقد العزم
على أن يقوم بعملية التغيير في بلدته وقد يكتب له النجاح فيوفقه رب العالمين وله
بذلك الجزاء العظيم الأوفى، وسبيله في ذلك ملازمة كتاب الله غير كالٍّ ولا مالٍّ،
بل يحاول أن يعيش لحظات الملازمة هذه مستمتعاً به، ونوره حينئذٍ سوف يضيء الآخرين
فيكون له بذلك أجره وأجر من علّمه واتّبعه وصحبه، فكما قال رسول الله ﷺ ما معناه
في شأن من سنَّ سنّة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وقد مرّت
بنا قصّة (العالم الافتراضي) فيمن أراد التّغيير بطريقة عكسيّة، والشاهد أنّ من
بدأ التّغيير بنفسه فذلك هو الذي عرف بما يبدأ...
كما
أنّ البيئة قد تسودها أجواء وطقوس لا تساعد إلّا في هجران القرآن، كمن يفرحون
أيّام فرحهم بإقامة أعراس إلى غاية ما قبل الفجر وقد يتجاوز بعضهم الفجر إلى غاية
الإسفار وهم يطلقون العنان لمكبّرات الصوت، وياله من صوت؛ إنّه صوت الرّأي الفاسد،
وهو يصف الخمر تارةً، ويمجّد العلاقات غير الشّرعية، ويثير الغريزة والهموم
والغموم لدى النّاس ولا سيّما الشباب غير آبهين بما جاء في القرآن الكريم من الحضّ
على الأخلاق الكريمة والسلوك القويم، والقيام لصلاة الصبح، واغتنام فرصة الليل في
الراحة، وبعدها في اغتنام ما يمكن اغتنامه في الاستغفار وركعات في الثلث الأخير من
الليل، فياله من هجران لتعاليم القرآن،،، دون أن ننسى من يحزنون لموت أحبائهم وأعزّائهم
كيف يلجؤون إلى القرآن، ولكن يهجرونه بعدم الانصات له والاستماع.
ومع
ما طرقناه من جوانب البيئة والظروف وكيف تكون سبباً في هجران القرآن، فإنّه يجدر
بنا أن نذكّر بمحاسن الفرص والسوانح التي قد تعين على إقامة دور للقرآن الكريم أو إقامة
المحاضرات والندوات والدورات، وقد وُجِدت مثل هذه الخيرات ولم تُعدم، منذ بزوغفجر
الإسلام بهذه الأرض الطّيّبة أرض الجهاد والشهداء إلى يوم النّاس هذا، فقد رأينا
من تطوّع بأعزّ قطعة أرض لبناء مسجد، وهناك من تطوّع بإحدى بناياته ذات الطوابق
وحبسها في سبيل الله لِتُقام فيها الدورات التعليمية للقرآن الكريم وكلّ إناء بما
فيه ينضح، وما علينا إلّا أن نتكيّف مع ما أوجدنا الله فيه من ظروف وأن ننضح صبراً
وحِلماً وهمّةً، ﴿إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ
خَيْرًا﴾ وكما جاء في القول المأثور: لو تعلّقت همّة ابن آدم بما دون العرش
لَبَلَغَتْهُ.
فالبيئة
الصالحة قد تكون هي الحصن الحصين لأبنائها تذكّرهم بأصلهم وأن لا ملجأ لهم ولا
منجى إلّا إلى الله من خلال قرآنه الكريم، ومن ذكره الحكيم، ولكم نسمع عمّن
ينتسبون أو يُنسبون إلى بلدتهم فيقولون: فلان ابن الصحراء مثلاً مشيرين إلى كرمهم
أو ابن القبائل مشيرين إلى مزاياهم أو ابن الشاويّة مشيرين إلى ما يشتهرون به من
إيجابيات، وهذا التّنوّع جيّد في البلد الواحد.
ولمزيد من الإحاطة والمعرفة فقد وردت
مسلّمات أو افتراضات[65]
البرمجة اللّغويّة نذكر منها ثلاثاً:
1) احترام الآخر، وتقبُّلُهُ: ومن أهمّ
أقوال أصحابها: سامح الآخرين، ليس لأنّهم يستحقّون المسامحة ولكن لأنّك أنت من
تستحقّ السلام.
2) الخارطة ليست المنطقة: أي أن ليس كلّ
ما في خارطة ذهنك (التي قد لا تحدّها منطقة وقد تختصر بحيث يحتويها ذهنك) هو
الخارطة، فأرضية الواقع قد تختلف جذرياً عن فرضيات العقل.
3) يستخدم النّاس أحسن ما لديهم من
إمكانيات متاحة في وقت بعينه، وذلك حتّى يطمئنّ لبذل جهوده، وأنّه ذلك ما كان في
الإمكان القيام به.
المطلب الثاني: ما كان سبب الهجران ذاتياً في
الإنسان نفسه
أوجد
الله الإنسان في هذه المعمورة دونما إرادة منه، فهو لم يختر نسبه ولا لونه ولا
استعداداته ولا قدراته التي أوجدها الله معه، إلّا أنّه ما إِنْ يستوي ويصل سنّ
التمييز حتّى يبدأ القلم في تسجيل أعماله إن كانت خيراً أو شرّاً، وهنا لا بأس أن
أبدأ بأهمّ فرضيّة من فرضيّات البرمجة اللغويّة العصبيّة: -أنا أتحكّم في عقلي،
فأنا أتحمّل مسؤوليّة أفعالي، إلّا أنّ الإنسان يحسُن به أن يحظى بالبيئة المناسبة
وتهيئة ظروف التربيّة، والتّعوّد على تحمّل الصّعاب، وأهمّ حصن يتحصّن به هو
تحفيظه وتعليمه وتدريبه ما استطاع الوالدان أو المسؤولون إليه سبيلاً، فإنّه:
(يولد المولود على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه...)، هذا لمن وفّقه
الله ورحمه بالوالدين أو البيئة الصالحة، فماذا عمّن ينبت في المنبت السوء. ذكر
اللهعزّ وجلّ نشأة مريم عليها السلام، بل حتّى قبل الولادة فقد ورد ذِكْرُها في
سورة آل عمران: ﴿إِذْ قَالَتِ
امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا
فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا
أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي
أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا
رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا
زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا
زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 35-37]، وهنا زكريّاء تتحرّك فيه مشاعر الأبوّة
والاشتياق لأن يكون له أبناء: ﴿هُنَالِكَ
دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ
هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38]، وقد رزق اللهُ
زكريّاءَ الولدَ، رزقه الغلام؛ يحيى، ولكن في أيّة حال كان عليها، تساءل بعض
الوعاظ مع جلسائه: هل أنّ الملائكة بشّرت زكريّاء وهو نائم والجواب في الآية
الكريمة: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ﴾-وليس نائماً-﴿يُصَلِّي
فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ
مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾[آل عمران: 39]، ولمّا
جاءته البشرى لقولهعزّ وجلّ: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا
بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾،
وكان ردّه المتعجّب، قال فيه صاحب تفسير القرآن[66] : »أمّا
العاقر: فهي التي عقم رحمها من الكبر، فإن قيل كان شاكّاً في وعد الله تعالى حين
قال: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، قال إنّما قاله على سبيل التواضع، يعني
مثلي على هذا الكبر من مثل هذه العجوز يكون له الولد، وقيل معناه: كيف يكون لي هذا
الغلام؟ أتردّني إلى حالة الشباب، أم يكون الغلام على حال الكبر؟ والجواب: ﴿قَالَ
كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ ».
وممّا
سبق ذكره يتبيّن أن الناس على قسمين في التكليف بملازمة القرآن؛ فهناك أصحاب
الأعذار منهم من ذكر في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ
حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا
أَلِيمًا﴾ [الفتح: 17]
جاء
في تفسير الطبري[67]:»يقول
تعالى ذكره: ليس على الأعمى منكم أيها النّاس ضيقٌ، ولا على الأعرج ضيقٌ ولا على
المريض ضيقٌ أن يتخلّفوا عن الجهاد مع المؤمنين، وشهود الحرب معهم إذا هم لقوا
عدوّهم لِلْعِلَلِ التي بهم، والأسباب التي تمنعهم من شهودها وبنحو الذي قلنا قال
أهل التأويل... وقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ يقول تعالى ذكره: ومن يطع الله ورسوله فيجيب
إلى حرب أعداء الله من أهل الشرك، وإلى القتال مع المؤمنين ابتغاء وجه الله إذا
دُعي إلى ذلك، يدخله الله يوم القيّامة جنّات تجري من تحتها الأنهار، ﴿وَمَن
يَتَوَلَّ﴾ يقول: ومن يعص الله ورسوله، فيتخلّف عن قتال أهل الشّرك بالله إذا دُعي
إليه، ولم يستجب لدعاء الله ورسوله يعذّبه عذابا موجعاً وذلك عذاب جهنّم يوم
القيامة »
فلنا
أن ننظر كيف وأنّ أصحاب الأعذار إذا لبّوا النداء للجهاد في سبيل الله وهو أشقّ ما
يمكن أن يأتيه الإنسان من طاعات، شَكَر لهم سعيهم وسمّاه طاعة لله ولرسوله فما
بالنا ومدارسة القرآن وتعلّمه وملازمته لا تكلّفنا شيئاً، بل هي راحة للقلوب لمن
شرح الله قلبه للإيمان ويسّره له، بل إنّ القرآن ميسّر للجميع حتى لأصحاب الحاجات
والعاهات وقد رأينا منهم من يحفظه على ظهر قلب، ولا يعقل شيئاً آخر إلّا القرآن،
وهذا لَعمري من أعظم الآيات التي جلّاها الله في عباده فقد قالعزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 22]، ومع ذلك فإنّالعذر شرعاً يُؤْخَذُعلى
قدره.
ولعلّ
أهمّ ما يرجع إليه في الهجران الفردي الآيات المذكورة التي فيها لفظ الإنسان،
وكلّها تقريبا تحمل معنى النسيان أو التّناسي والغفلة وقد عرضنا جانباً منها في
مطلب: لفظ الإنسان في القرآن، ولا بأس بالتذكير ببعضها، فالإنسان ضعيف وخُلِقَ
ضعيفاً سرعان ما يكتفي بالقدر اليسير من الطاعات ثم يركن إلى الرّاحة والكسل
والدّعة، وهو في تقلّباته بين الضّرّ وكشفه جَزِعٌ يؤوسٌ كفورٌ كقولهعزّ وجلّ: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا
رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ [هود: 9]،
ولو كان الإنسان من الذاكرين لكان تذكّر، إنّما يكون على هذه الحال من الابتلاء
بين الخير والشّرّ فتنة عليه أن يقابلها بالصّبر والتّجلّد أو الشكر والذكر، ثمّ
إنّه إن كان من أهل الذّكر لَذَكَرَ أو تَذَكَّرَ: إنّما خُلق من ماء مهين، ومن
تراب، ومن نطفة وما إلى ذلك مما جاء في الذكر الحكيم، وما أجهل الإنسان حينما
عُرِضت الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها،
وحملها الإنسان بجهله لأنّ الذّكر لم يحضره بل غشيته الغفلة وأطبق عليه النسيان،
فقتل الإنسان ما أكفره، وما أغفله لـمّا يصيبه السّهو والشرود، ويترك حبل الله
المتين، القرآن العظيم، بل ويهجر آياته حين يَهمز ويَغمز ويتنابز بالألقاب وما
حمله على ذلك إلا خواءه من القرآن فوجد الشيطان إلى قلبه الطريق ليوسوسه ويؤزّه
أزّا، وما ربّك بظلّام للعبيد...
والإنسان
بإمكانه أن يكون على أحسن حال إن أراد ذلك، فالله خالقه وهو من أعلمه أنّه بإمكانه
أن يكون في أحسن تقويم، وبإمكانه أن يمشي بالنّور في النّاس لقولهعزّ وجلّ: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ
وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي
الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا
كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122]
كما أن اللهعزّ وجلّ قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ
كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾
[القلم: 35-36]
وقوله تعالى:﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: 18]
وكم
وصّانا ربّناعزّ وجلّ بالوالدين في مواضع مختلفة إلّا أنّ النسيان والغفلة والشرود
ومن بعد ذلك العقوق، الأمر خطير جدًّا وعلينا أن ندرك الموقف قبل فوات الأوان فقد
جاء في كتاب ربّنا:﴿أَمَّا الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا
كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا
أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ
تُكَذِّبُونَ﴾
[السجدة: 19-20] والسبب واضح جدًّا ولا غبار عليه والمشهد الأشدّ رهبة
ما ذكر في سورة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ
عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ
كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ
يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ
الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: 124-127]
ذكرت
قبل هذه الآيات ما يبيّن معنى السياق فقد قال سبحانه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ
أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا
فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ
الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا
جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ
اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: 120-123]. جاء في
تفسير الهداية إلى بلوغ النهاية[68]»... أي: فألقى
إلى آدم الشيطانُ فقال له: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾
أي: على شجرة من أكل خلد ولم يمت، ﴿وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾ أي: لا ينقضي، وقال
السدّي: ﴿عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أي: شجرة إن أكلت منها كنت ملكاً مثل اللهعزّ
وجلّ، ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾: لا تموتان أبداً، ثمّ قال تعالى: ﴿فَأَكَلَا
مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، أي: فأكل آدم وحواء من الشجرة التي
نُهِيا عنها، وأطاعا أمر إبليس ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، أي ظهرت وانكشفت
لهما عوراتهما وكانت مستورة عن أعينهما... قال ابن عبّاس: فضمن الله لمن قرأ
القرآن، واتّبع ما فيه، أن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة، أي وقاه الله
من الضلالة في الدنيا ووَقاهُ يوم القيامة سوء الحساب ثمّ تلا الآية ».
المطلب الثالث: ما كان سبب الهجران أعداء الجنّ
والإنس
أثبت
القرآن على لسان الأنبياء وهم أصدق من يُخْبِر بعد اللهعزّ وجلّ ما يفيد أَذيّاتهم
من العدوّ إبليس -أعاذنا
الله من شروره ولعنه-؛ فقد قال اللهعزّ
وجلّ: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ
إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: 41]
وعلى لسان يوسف عليه السلام: ﴿...مِنْ
بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي...﴾ [يوسف: 100]،
وكذلك جاء أمر الله إلى نبيّه الخاتم: ﴿وَإِمَّا
يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200]،
وقد أتى هذا التحذير في سياق العفو والأمر بالعرف والإعراض عن الجاهلين، وكانت
نهاية الآية في سورة الأعراف: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، إلّا أنّ في سورة فصّلت
جاءت في نفس المعنى تقريباً وهو الدفع بالتي هي أحسن والمصالحة والمسامحة ممّا
يغيض الإنسان فهنا لا بدّ أن يدفع بالوسواس ليسلّطه على المتسامحين فقالعزّ وجلّ:﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا
ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 34-36]، ولقد تقرّرت حقيقة هذه العداوة في نصوص أخرى من
القرآن بمثل قولهعزّ وجلّ: ﴿وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 112].
وفي
حق آدم وزوجه قال عزّ من قائل: ﴿فَأَزَلَّهُمَا
الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ
مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36].
وبالتّتبّع
والاستقراء لآيات القرآن يتبيّن عمل الشيطان بالوسواس لكلّ الأنبياء وبدون استثناء
وهم الذين كما ذكرهم الطّبري في تفسيره[69] بقوله:»... يقول: وكما
ابتليناك يا ﷴ بأن جعلنا لك من مشـــركي قومك أعداءً شياطينَ يوحي بعضهم إلى بعض
زخرف القول ليصدّوهم بمجادلتهم إيّاك بذلك عن اتّباعك والايمان بك وبما جئتهم به
من عند ربّك، كذلك ابتلينا مَن قَبْلَكَ من الأنبياء والرّسل، بأن جعلنا لهم
أعداءً من فوقهم يُؤذُونهم بالجدال والخصومات، يقول: فهذا الذي أَمْتَحِنُكَ به،
لم تُخَصَّص به من بينهم وحدك، بل قد عمّمتهم بذلك معك لأبتليهم وأختبرهم، مع
قدرتي على منع مَنْ آذاهم من ايذائهم، فلم أفعل ذلك إلّا لأعرف أولي العزم منهم مِنْ
غيرهم يقول: فاصبر أنت كما صبر أولو العزم من الرّسل ».
وذكر
اللهعزّ وجلّ في قرآنه الكريم، دخول الشيطان في كلّ شؤون وشجون البشر على غرار
الأنبياء، فالشيطان يتدخّل في تنغيص أرزاق النّاس من مطعم أو ملبس فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي
الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168]
ويقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لَا
يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا
الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27]،
وكذلك في الحروب: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ
النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا
تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ
إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 48]،
وكذلك وهذا محلّ الشاهد: ﴿فَإِذَا
قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:
98].
كما
أنّ شياطين الإنس بدورهم يمدّون إخوانهم بالغيّ ولا يقصرون، ودورهم في هجر القرآن
لا يخفى كما في سورة الإسراء: ﴿وَإِنْ
كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ
عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ
خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا
قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا
تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 73-75] ويقولعزّ وجلّ في شأن
الفريقين: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ
الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾
[الإسراء: 82].
ذكر
صاحب الظّلال[70]
محاولات:»يعدّد
السّياق محاولات المشركين مع الرسول ﷺ وأوّلها محاولة فتنته عمّا أوحى الله إليه،
ليفتري عليه غيره، وهو الصادق الأمين، لقد حاولوا هذه المحاولة في صُوَّرٍ شتّى...
منها مساومتهم له أن يعبدوا إلـهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم وما كان عليه
آباؤهم... هذه المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب
الدعوات دائماً، محاولة إغرائهم لينحرفوا -ولو قليلاً- عن استقامة الدعوة وصلابتها
ويَرْضون بالحلول الوسط التي يغرونهم بها في مقابل مغانم كثيرة، ومن حملة الدعوات
من يُفتن بهذا عن دعوته لأنّه يرى الأمر هيّناً، فأصحاب السّلطان لا يطلبون إليه
أن يترك دعوته كلّيّة، إنّهم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي فيها الطرفان في منتصف
الطريق، وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة... والقرآن شفاء من
الوسوسة والقلق والحيرة، فهو يصل القلب بالله فيسكنُ ويطمئّنُّ ويستشعر الحماية
والأمن؛ ويرضى فيستروح الرضى من الله والرضى عن الحياة... ومن ثمّ هو رحمة
للمؤمنين... ﴿لَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾، فَهُم لا ينتفعون بما
فيه من شفاء ورحمة وَهُم في غيظ وقهر من استعلاء المؤمنين به، وهم في عنادهم
وكبريائهم يشتطّون في الظُلْم والفساد ».
كما
جاء في نهاية سورة الإسراء: ﴿وَبِالْحَقِّ
أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا
أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ
عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ
لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا
الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ
سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا
لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ﴾
[الإسراء: 105-109].
جاء
في أيسر التفاسير[71]:»وبالحق
انزلناه: أي القرآن. وبالحق نزل: أي نزل ببيان الحقّ في العبادات والعقائد
والأخبار والمواعظ والحكم والأحكام. ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾: أَنْ نزّلناه
مفرّقاً في ظرف ثلاث وعشرين سنة لحكمة اقتضت ذلك. ﴿عَلَىٰ مُكْثٍ﴾: أي على مهل
وتؤدة ليفهمه المستمع إليه. ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا﴾: أي شيئاً فشيئاً حسب
مصالح الأمّة لِتَكْمُل به ولِتسعد عليه. ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾: أي
مؤمنو أهل الكتاب من اليهود والنصارى كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي. ﴿لِلْأَذْقَانِ
سُجَّدًا﴾: أي سجّداً على وجوههم، ومن سجد على وجهه فقد خرّ على ذقنه ساجداً. ﴿إِن
كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: منجزاً واقعاً، فقد أَرْسَلَ النبيَّ الأمِّيَّ
الذي بشّرت به كتبه وأنزل عليه كتابه...
...
قل يا رسولنا للمُنْكِرِين للوحي القرآني من قومك، آمنوا به أو لا تؤمنوا فإنّ
ايمانكم به كعدمه لا يغيّر من واقعه شيئاً فسوف يؤمن به ويسعد عليه غيركم إن لم
تؤمنوا أنتم به ها هم أولاء الذين أوتوا العلم من قبله من علماء أهل الكتابين
اليهود والنصارى قد آمنوا به ».
ولقد
حسم القرآن الحكم على أنّ الشيطان عدوّ مبين في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا
فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 208].
وأنّ
من شياطين الإنس اليهود ممّن يكتفون بأن يتنازل لهم الرّسول ﷺ عن بعض ما أُنْزِلَ
إليه فقال سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ
بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ
أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 49].
فقد
جاء في التفسير الميسّر[72]:»واحكم
-أيها الرسول- بين اليهود بما أنزل الله إليك في القرآن، ولا تَتَّبِع أهواء الذين
يحتكمون إليك، واحذرهم أن يصدُّوك عن بعض ما أنزل الله إليك فتترك العمل به، فإن
أعرض هؤلاء عمَّا تحكم به فاعلم أن الله يريد أن يصرفهم عن الهدى بسبب ذنوبٍ
اكتسبوها من قبل، وإنّ كثيرًا من النّاس لَخارجون عن طاعة ربّهم.
﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَٰاهِلِيَّةِ
يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ﴾، أيريد
هؤلاء اليهود أن تحكم بينهم بما تعارف عليه المشركون عَبَدَةُ الأوثان من الضلالات
والجهالات؟! لا يكون ذلك، ولا يليق أبدًا، ومَنْ أعدل مِنَ الله في حكمه لمن عقل
عن الله شَرْعه، وآمن به، وأيقن أن حكم الله هو الحق؟ ».
خلاصة
عرض
البحث صوراً وكيفيّات في هذا -الفصل الأول- لهجران القرآن الكريم وأسبابه عرضاً
تاريخيّاً في -المبحث الأول- أوّلاً حيث مراحل الوحي الثلاث؛ وكيفيّة تعامل
النّاس: ممّن عايش وجاور وصاحب رسول الله ﷺ مع القرآن، ليأتي العرض على تسليط
الضوء على مرحلة الجهر بالدعوة ومواقف القوم من القرآن، لتأتي مرحلة بناء الدولة
التّي أسّسها النبيّ ﷺ.
ثمّ
ولجنا أنواع الهجران لكلام اللهعزّ وجلّ إن كان على المستوى الفردي أو الجماعاتي
أو إن كان على المستوى العام الدولي، بينما طرقنا في الجزء الثالث من الفصل أسباب
الهجران وأثره على السلوك العام الإنساني، وعرفنا كيف وأنّ من كانوا منتبهين فطنين
وعلى رأسهم نبيّنا ﷴﷺ الذي لازم القرآن بل كان خلقه القرآن، وكان قرآناً يمشي على
الأرض ، كما أنّ إخوانه الأنبياء رافقوا أقوامهم بما تقتضيه الأخلاق الكريمة
والسلوك القويم، ومهما تكن أسباب الهجران فإنّه من ﴿يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ
لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وأنّ هذه التقسيمات قد لا نحتاج إليها دائماً
أو قل لا يحتاج إليه كلّ من يلازم القرآن بل يكفيه أنْ يَصْدُقَ فيه قول المولىعزّ
وجلّ: ﴿إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾، اللّهمّ
إلّا من جانب الوقوف والنظر والعظة والاعتبار.
والله
يقول الحق وهو يهدي السّبيل.
الفصل الثاني: معالجة ظاهرة هجران القرآن
ونتائجه
تمهيد
المبحث
الأول: معرفة الخلل الذي يأتي منه الهجران
المطلب الأول:مغاليق وأغلال
المطلب الثاني: الغفلة والنسيان
المطلب الثالث: العدو الحقيقي
للإنسان
المبحث
الثاني: الاستقامة وتحسن السلوك للإنسان أهم ثمار الاشتغال بالقرآن
المطلب الأول: معالم في طريق العلاج
والشفاء
المطلب الثاني: الظفر ببركة القرآن
الكريم
المطلب الثالث: الإخراج من الظلمات
إلى النور
المبحث
الثالث: الظفر بكرم القرآن يخولنا سعادة الدارين
المطلب الأول: تحسن الأخلاق والسلوك
وارتقاء القيم
المطلب الثاني: بروز النموذج والقدوة
القرآنية
المطلب الثالث: الشهود الحضاري للأمة
بين الأمم
خلاصة
الفصل
الثاني: معالجة ظاهرة هجران القرآن ونتائجه
تمهيد
تقوم الدراسة
في هذا الفصل بمحاولة علاج ظاهرة هجران القرآن الكريم والنتائج المترتبة عن هذا الهجران
على مبدأ التخلية والتحلية، فالتخلية تتلخص في معرفه مواطن الخلل التي تجعل هذه الآفة
تستشري في الأمة جماعة وأفرادًا فنفتح مغاليقها، وننبه من غفلتها، ونذكر من
نسيانها، ونتعامل ونتخذ مواقف من الخصوم والأعداء بما يخدم الملازمة والاشتغال
بالقرآن العظيم، لنظفر بالتالي بكرم القرآن وبركاته، وحتى نكون في مستوى تحديات
العصر، فنعمل على القيام لعهد جديد من الحياة الطيبة والأخلاق الكريمة والسلوك
القويم وحتى نحقق مراد الله في عباده الصالحين:﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً
يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا
وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].
المبحث الأول: معرفة الخلل الذي يأتي منه
الهجران
المطلب الأول: مغاليق وأغلال
تنتاب
الأمم كما تنتاب الأفراد كبوات وعثرات وقد يُحشر المرء في زاوية فيشعر بأنه في حالة
إغلاق، وما يزيد الطين بلة أن يلجأ الإنسان إلى طرق خاطئة إلى فتح الأغلاق كأن
يلجأ إلى ردود أفعال أقل ما يقال عنها أنها غريزية، فيزيد إلى ما هو فيه أزمات إلى
أزماته...
أحسن
علاج للأزمات وأهم مفتاح للأغلال والمغاليق إذا استحكمت أن يلجأ المرء إلى
الله،جاء في بداية سوره فاطر :﴿مَا
يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ
بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[فاطر: 2]، وكيف لا يكون اللجوء إلى الفتّاح العليم، وهو الذي يهدي من يشاء
إلى صراطه المستقيم، فهذا نبي الله شعيب عليه السلام يختتم حواره مع قومه وقد وصل
الخصام إلى ذروته، ولم يبق له سوى اللجوء إلى خير الفاتحين ذكر القرآن على لسانه
هذا الدعاء:﴿...عَلَى اللَّهِ
تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا
وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: 89].
ولما
استحكم الإغلاق على يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت أدرك أن اللجوء لا يكون إلا
إلى عالم السرّوأخفى سبحانه، فما كان منه إلا أن يقول متوجها إلى الله سبحانه:﴿...لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ
إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]، وكانت الاستجابة من
اللهعزّ وجلّ:﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ
وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ
نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 88]… كَم تَلِفُّ أفهامنا موانع
ومغاليق تحول بيننا وبين تدبّر القرآن الكريم كما جاء في كتاب: "كيف نتعامل
مع القرآن": « فإن
أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم،
فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن وحجب الفهم أربعة:
-
أولها:
أن يكون الفهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها...
- ثانيها: أن يكون مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد
عليه، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الإتباع للمسموع، من غير الوصول إليه ببصيرة
ومشاهدة، فهذا شخص قيّده معتقده عن أن يتجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير
معتقده...
- ثالثهما:أن يكون مصّراً على ذنب، أو متّصفاً
بكبر، أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك بسبب ظلمة القلب وصداه،
وهو كالخبث على المرآة يمنع جلية الحق من أن يتجلى فيه، وهو أعظم حجاب للقلب...
-
رابعتها:
أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا، واعتمد انه لا معنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله
النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي... »[73]
ومن المغاليق التي تجعل الناس في
عمومهم يترددون في تعهد القرآن وملازمته منذ الصغر ما يدور من معتقدات بالية
مفادها أن المتدينين أصلا يوصمون بالدروشة والشعوذة وأنهم يعيشون عالماً مخيفاً،
وجادّاً أكثر من اللزوم وأنّه يرهب عالم الصغار، وخاصة مشاهد القيامة حيث نيران
جهنّم وأهوال النار، ولقد سمعنا مثل هذا حتى من بعض المنظّرين في ميدان التربية
والتعليم في بلدان شعوبها مسلمة ومواد دساتيرها تؤكد على أن دين الدولة الإسلام،
ولا شك أن مثل من يعادون ويعارضون تعليم القرآن ومدارسته منذ الصغر هم بذلك يهجرون
القرآن، كما أنّه لا يليق بمن كانت ثقافته وتعليمه تمت خارج حدود البلاد الإسلامية
أن ينظّر لها وأن يشرّع لها القوانين، وعلينا أن نقول: كفى! (لمن لا يرعون في
البلاد والعباد إلاًّ ولا ذمةً)، وعليكم أن تلزموا حدودكم، وأن تتوقفوا عن
ممارساتكم اللّاأخلاقية، وعن أفكاركم الهدّامة،وإلّا فارحلوا إلى البيئة التي
تناسبكم فمكانكم بين إخوانكم ومن ربّوكم، فهذه الأرض أرض طيّبة أرض الشهداء والتضحية
والجهاد، أرض: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه
ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا﴾،
أرض الإيمان والإسلام والقرآن…
ومما
شاع بين أفراد المجتمع وتجدّر وانتشرأنّه من يلازم القرآن كثيرا يصاب بالجنون،
والخبال... وقد سمعت مثل هذه الأقوال، وأنا صغير أرتاد الكتاتيب حيث التعليم
القرآني،ويضربون لنا المثال برجلين مجنونين فعلا، أحدهما من جهة قريتنا، وهو مجنون
رحمه الله، ولقد شهدته وسمعته يتلو القرآن أو قل يقرؤه بصورة مسترسلة،وكل الناس
يشهدون له بذلك،والثاني رجل من القرية المجاورة لنا، وهو في مثل سن الأول وهو أيضا
مجنون، وهو لا يقرأ القرآن فحسب بل يرتله ترتيلا منقطع النظير، ولكم كنت استمع
إليه وأتعجب، وقد كنت طفلا يومئذ إلّا أنّ الناس يهمسون بالقول: لقد جن من كثرة
القراءة وفي رواية أكثر وضوحاً من كثرة قراءته للقرآن، وللرد على هذه الشبهات والمزاعم
وإبعادها عن القرآن، وحاشا للقرآن أن يصاب قارئه بالجنون، بل بالعكس فإنَّ ملازمي
القرآن ومتعهدوه، كما يروي لنا الأستاذ يحيى عبد الرزاق الغوثاني يصابون بالزهايمر
ناهيك عن الشيخوخة المبكرة، وقد ذكر لنا نموذجين لشيخين من شيوخ المقارئ: أحدهما
تجاوز عمره المائة سنة وستة أعوام يقرأ ما يكتب لا يستعمل نظارة، ويمشي على رجليه
لا يستعمله عكازا، وأما الآخر الذي يشارف عمره المائة سنة كان يتمتع بصحة جيدة إلى
أن أصابته وعكة، وأُدخل المستشفى ولما كان جمهور محبيه كثيرا جدا نصح الأطباء بقطع
الزيارة له نهائيا، وأن هذه الزيارات لا تلائم وضعه الصحي، فما لبث إلا ثلاثة أيام
على وجه التحديد حتى مات (والشاهد هنا) فقد أدلى الممرضات والأطباء الذين كانوا
يرعونه، أنه شرع في قراءة القرآن من بدايته إلى نهايته في هذه الأيام الثلاثة حتى
ختم القرآن بأكمله ليختم الله له بحسن الخاتمة، لمثل هذا فليعمل العاملون، وأما
أمر الرجلين المجنونين فقد تبيَّن أنهما مصابين بالجنون بصفه وراثية، وأما أمر
الجنون بسبب كثرتهم لقراءة القرآن فهو كذب وتجني على كتاب الله،ولهؤلاءوأولئك ولنا
جميعايقول اللهعزّ وجلّ:﴿أَلَا إِنَّ
أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ
آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي
الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ
اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ
الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يونس: 62-65]
ومن
الموانع والمغاليق التي تجعل صاحبها يكون في حالة هجر من القرآن العجمة التي تعقد
اللسان فلا يستطيع قولا،بل يقع في شيء من الحرج مع الحضور في حين أن الدعاء الوارد
في القرآن واضح: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ
لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا
قَوْلِي﴾ [طه: 25-28]،وممن تمرسوا في الميدان يؤكدون على ضرورة
الكلام في النّاس بالقرآن دون خوف أو وجل وهذا من تمام قوة إيمان الرجل، وفي بداية
الوحي وجّه الله سبحانه وتعالى نبيّه ﷺ عبر هذه الآيات البيّنات: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ
فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا
مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ
أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾
[الأعراف: 2-3]، ذكر محمّد علي الصابوني في تفسيره:» ﴿كِتَابٌ
أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي هذا كتاب انزله الله إليك يا ﷴ وهو القرآن، ﴿فَلَا يَكُن فِي
صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ أي لا يضيق صدرك من تبليغه خوفا من تكذيب قومك، ﴿لِتُنذِرَ
بِهِ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي تنذر بالقرآن من يخاف الرحمان، ولتذكر وتعظ
المؤمنين لأنهم المنتفعون به، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾
أي اتبعوا أيها الناس القرآن الذي فيه الهدى والنور والبيان المنزل إليكم من ربكم،
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ
أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ولا تتخذوا أولياء من دون الله كالأوثان والرهبان
والكهان تولونهم أموركم وتعطونهم فيما يشرعون لكم، ﴿قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾أي
تتذكرون تذكرا قليلا قال الخازن: أي ما تتعظون إلا قليلا ».[74]
فالتردد
والإحجام والركون إلى الراحة والكسل تجعل المشركينوالكفار
يهيمنون على بلاد المسلمين ولا يسمحون لهم بممارسة عباداتهم لله وحده، قال عزّ من
قائل:﴿...وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ
النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ
وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40]،
وقد اعتبر القرآن، ما يقوم به الرسول ﷺ من استقامة مع ربه في حق نفسه (وهو القرآن
يمشي على الأرض)، ومن تبليغهإلى الإنس والجن يعتبره جهادا كبيرا ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ
بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 52].
والمغاليق
والعقد والأغلال التي يحاول الأعداء جعلها في رقاب المسلمينلا تعد ولا تحصى،ولولا
فضل الله على المؤمنين ورحمته لما بقي لهذا الدين أثر،ولو كان ديناً آخر لاندثر
منذ قرون،إلّا أنّ الله قيّد لهذا الدين أسبابا، تولى سبحانه بذاته العليّة حفظ
هذا القرآن، وجعل القرآن شفاء ورحمة وبشرى للمؤمنين عاصماً لهم، وهو بمثابة القاصم
الذي تتحطّم عليه جميع مؤامراتهم،وهو الذي تُفتح به المغاليق،ويضع عن المؤمنين إصرهم
والأغلال التي كانت على الذين من قبلهم، وهو ربيع القلوب ونور الصدور وجلاء الهموم
والغموم.
المطلب الثاني: الغفلة والنسيان
جاء
في تقدمة كتاب: تنبيه الغافلين: «كان النبي صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم يتخوّلنا
بالموعظة أحيانا مخافة السآمة علينا، جمعت في كتابي هذا شيئا من الموعظة والحكمة
شافيا للناظرين فيه، ووصيتي له أن ينظر فيهبالتذكّر والتفكّر لنفسه أولا ثم
بالاحتساب بالتذكير لغيره ثانيا فإن الله تعالى أمرنا بذلك كله، والسنة وردت فيه
قال الله تعالى: ﴿...كُونُوا
رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ...﴾ [آل عمران: 79]
قال بعض المفسرين:معناه كونوا عاملين بما كنتم تعلّمون الناس من الكتاب،وقال في آية
أخرى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى
تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]،وروي عن الرسول ﷺأنه
قال:"تفكّر ساعة خيرمنعبادةسنة"،ومن أعرض عن النظر في الحكم والمواعظ
وسير السلف لا يعدو إحدىخصلتين إمّا أن يقتصر على قليل من العمل يتوهّم أنه من
جملة السابقين إلى الخيرات أو يجتهد بعض الجهد فيعظم ذلك في عينيه ويفضل بذلك نفسه
على غيره فيبطل بذلك سعيه ويحبط عمله، فإذا نظر فيها ازداد حرصا على الطاعات وعرف
قصوره عن بلوغهم في الدرجات فنسأل الله التوفيق لأزكى الأعمال وأعظم البركات إنّه
منّان قدير ».[75]
جاء
معنى الغفلة عدم الدراية أو الجهل بالأمر كما في قولهعزّ وجلّ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ
الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ
قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: 3]،وقولهعزّ وجلّ: ﴿...مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ
وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ
عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، جاء في التفسير الميّسر: « نحن
نقص عليك-أيّها الرسول- أحسن القصص بوحينا إليك هذا القرآن،وإن كنت من قبل إنزاله
عليك لمن الغافلين عن هذه الأخبار،لا تدري عنها شيء ».[76]
كما
جاء معنى الغفلة كما في الآية: ﴿وَاذْكُرْ
رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205]،حسب
التفسير الميّسر أيضا: « واذكر أيّها الرسول ربّك في نفسكتخشعا وتواضعا لله
خائفا وجل القلب منه وأدعه متوسطا بين الجهر والمخافتة في أول النهار وآخره،ولا
تكن من الذين يغفلون عن ذكر الله ويلهون عنه في سائر أوقاتهم »[77]،
ومعناها أقرب إلى الشرود،وما يقارب هذا المعنى كما في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ
قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39]،وكقوله
عزّ من قائل: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ
حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1]،ويوم
القيامة يعرف الإنسان مدى ظلمه حين كان غافلا فقال تعالى﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ
أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا
بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 97] كما يكشف الحقيقة كاملة بعد
أن كان يخضع إلى غفلة كانت تطبق عنه الرؤية وتحجبها:﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ
غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: 22].
أما
النسيان فقد لازمنا طيلة هذه الدراسة ملازمة النسيان للإنسان،وهذه المرة نورد ما
ذكره عدنان الغامدي في دراسته: « وتسمية الإنسان ذاتها تعود للنسيان عمدا
وسهوا، فكفره نسيان فضل ربه عليه، ونسيان عاقبة ظلمه وطغيانه، والإنسان ينسى
إشارات ربه وتحذيره بما يصيبه من شرور، وينسى إنعام ربه وخيراته بما يغدق عليه من
نعم فكانت مفرده الإنسان جامعة لكل شر يقترفه، فأتت هذه المفردة في القرآن الكريم
للدلالة على ضعف خلقه وخلقه »[78]،
وكما مرّ معنا أنّ من أسماء القرآن الذكر،والذكر لا شك أنّه يبدّد النسيان وينبه
عن الغفلة،فلا يمكن أن نسمّي الذاكر غافلا أو ناسيا، فقد قالعزّ وجلّ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى
أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي...﴾ [المؤمنون: 110].
وقد
سمى الله القرآن الكريم في مطلع سورة ص بالذكر:﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي
الذِّكْرِ﴾ [ص: 1]، إلّا أنّ عمل الشيطان ملازم للنسيان لتكون النتيجة
النسيان والغفلة قال سبحانه:﴿لَقَدْ
أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي
وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: 29].
وَلِسدّ
باب الغفلة والنسيان ينبغي للجهود أن تتكامل، وأن تكون الأعمال ضمن المجموعة أو الفريق،
وقد ورد في الخبر: (الجماعة رحمة والفرقة عذاب).[79]
والخطاب
القرآني يأتي معهوده على صيغة الجمع سواء كان تكليفاً بالأمر أو نهياً عن المنكر
من مثل:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: 77]، وخاصة بعض العبادات منها
الصلاة جماعة فهي أوكد، قال عزّ من قائل: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ
الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]، وقد كانت الشبكة الإجتماعية في عهد الرّسول ﷺ
متينة الروابط، بل كانت تكلؤها العناية الربانية فقد ذكر القرآن كيف تولى الله
التأليف بين قلوب الصحابة ليس للبشر طاقة على تحقيقها:﴿...فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ
هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي
الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ
بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[الأنفال: 62-63]، كما أنّ الإسلام حض أفراد المجتمع أن يجتمعوا وأن
يتعاونوا على البر والتقوى، ونهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، وأخص عمل يثمنه
ديننا الحنيف: الدعوة إلى الله، والتذكير بآيات القرآن، فقد جمع القرآن بين صفتي
الذكر والاجتماع عليه فجاء بهذه الصيغة:﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 2-4]، أمّا القائم بالدعوة إلى
الله فقد عدّه القرآن خير الناس وأفضلهم فقد قال:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ
صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]، ويعطه الله
فضلا أحسن وأفضل ممن اجتمعوا في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما
بينهم، فقد جاء في الخبر: « عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (ما
اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا حفتهم
الملائكة وتغشّتهم الرحمة وتنزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده)-رواه
مسلم- »[80]،
فشرف الذكر بالله لك، تنزل السكينة، تغشي الرحمة وكيف أن الملائكة تحف الجلساء
بأجنحتها.
ولا
يتصور أن يكون الإنسان أكثر ثباتا على ما هو عليه ما لم يخص نفسه أورادا من
الأذكار والتعوذات وكذا وِرداً لتلاوة القرآن، وإذا استدعى الأمر أن يتدرج شيئا
فشيئا حتى يصل إلى ما حدده من أوراد، وقد لا ينجز ما رسمه دائما، وهذا يحصل لأي
إنسان، والعبرة في المداومة، والقيام من السقوط بسرعة، وما إن يَمُرَّ عليه وقت
حتى ينشرح صدره، ويتعلق القلب بالذكر الحكيم وبالأوراد خاصة بعدما يتذوق حلاوة
التلاوة والتدبر، وحلاوة الحياة الطيبة وانشراح الصدور وراحة البال فإذا وجد في
نفسه ما وجد ممّا ذكر كان من الغفلة والنسيان أبعد، ويكون بذلك سد ثغرا من الثغور
التي يأتي منها الهجران.
المطلب الثالث: العدو الحقيقي للإنسان
مرّ
معنا الحديث عن العداوة التي مُورست على النبي ﷺ من قبله في مثل قوله سبحانه وتعالى:﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ
قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ
نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 30-31]، وكأن
هجران القرآن كان سببه العداوة للإنسان الذي تأثر بهذه العداوة والنتيجة ما صوره
لنا القرآن في بعض مشاهد العرض والحساب:﴿وَيَوْمَ
يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ
أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا
سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ
أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ
وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ [الفرقان: 17-18]، وفي هذا اليوم لا يفيد
اتهام بعضهم البعض وتحميلهم مسؤولية ما صاروا إليه فقال عزّ من قائل: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ
فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا
وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: 19].
جاء
في تفسير الماوردي : « ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ فيه قولان : أحدهما أنه حشر
الموت، قاله مجاهد، الثاني: حشر البعث، قاله ابن عباس، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ﴾ قاله مجاهد: هم عيسى وعزير والملائكة، ﴿فَيَقُولُ أَأَنتُمْ
أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ﴾ وهذا تقرير لإكذاب من ادعى ذلك عليهم وإن خرج
مخرج الاستفهام، وفيمن قال له ذلك القول قولان: احدها أنه يقال هذا للملائكة قاله
الحسن، الثاني: لعيسى وعزير والملائكة، قاله مجاهد، ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾
أي تخطأوا قصد الحق فأجابوا بأن ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا
أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: ما كنا نواليهم
على عبادتنا، الثاني: ما كنا نتخذهم لنا أولياء، ﴿وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ
وَآبَاءَهُمْ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: أحدهما: متعتهم بالسلامة من العذاب، قاله يحي بن
سلام، والثاني بطول العمر، حكاه النقاش، الثالث بالأموال والأولاد:﴿حَتَّىٰ نَسُوا
الذِّكْرَ﴾ فيه ثلاثة أقاويل أحدهما: "حتى تركوا القرآن"، قاله ابن زيد،
الثاني: "حتى غفلوا عن الطاعة"، الثالث: "حتى نسوا الإحسان إليهم والإنعام
عليهم" »[81]
حتى يقول (و هنا الشاهد): « ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ﴾ فيه
قولان: أحدهما: أن الملائكة والرسل قد كذبوا الكفار فيما يقولون أنهم اتخذوهم
أولياء من دونهن قاله مجاهد، الثاني: أن المشركين كذبوا المؤمنين فيما يقولونه من
نبوة ﷴﷺ، قاله ابن زيد: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ فيه أربعة
أوجه: أحدها: صرف العذاب عنهم ولا ينصرون أنفسهم قاله ابن زيد، والثاني: فما
يستطيعون صرف المحبة عنهم ولا نصرا على آلهتهم في تعذيبهم، قاله الكلبي، الثالث:
فما يستطيعون صرفك يا ﷴ عن الحق ولا نصر أنفسهم من عذاب التكذيب، حكاه عيسى،
الرابع: أن الصرف: الحيلة حكاه ابن قتيبة، والصرف: الحيلة مأخوذ من قولهم إنه
ليتصرف أي يحتال، وأما قولهم لا يقبل منهم صرف ولا عدل ففيه وجهان: أحدهما: أن
الصرف: النافلة، والعدل: الفريضة، الثاني: الصرف: الدية، والعدل: النقود.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً
أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾
[الفرقان: 20] فيه أربعة أقاويل: أحدها: انه
افتتان الفقير بالغني أن يقول لو شاء الله لجعلني مثله غنيا، والأعمى بالبصير أن
يقول لو شاء لجعلني مثله بصيرا، والسّقيم بالصحيح أن يقول لو شاء الله لجعلني مثله
صحيحا، قاله الحسن ».[82]
وقد
جاء ذكر العداوة على أشكال أخرى من مثله قولهعزّ وجلّ:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ
وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ
وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:
14-15] وهو أن يحملك أحد هؤلاء على طلب الدنيا والاستكثار منها كان عدوّا
لك مما يستدعي منك أخد الحذر على دينك أو على نفسك أن يوقعك في الغواية، إلا أن
أجزم به القرآن من عداوة فهو ما كان من الشيطان الرجيم، فقد ورد في القرآن مرات
متكرّرة ما يثبت أنّ الشيطان هو العدو المبين وأن نكون موقف المؤمن منه: اتخاذه
عدواً، فقالعزّ وجلّ:﴿يَا أَيُّهَا
النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا
خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ
عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168] وعداوته للإنسان تعود إلى أنه كان
سببا في إغواء آدم عليه السلام وزوجته: ﴿فَأَزَلَّهُمَا
الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ
عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ
مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36].
والآية
التي تمثل الأمر بمعاداة الشيطان معاداة صريحة، كما نجد ذلك في مختلف التفاسير،
فقد جاء في تفسير ابن عطية:« ﴿إِنَّ
الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ
أَصْحَابِ السَّعِيرِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ
حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ
يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا
تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: 6-8]، قوله تعالى:
إن الشيطان الآية، يقوي قراءة من يقرأ: الغرور بفتح الغين، وقوله فاتخذوه عدوا أي
بالمباينة والمخالفة والمقاطعة له بإتباع الشرع، (والحزب) الحاشية والصاغية،
واللام في قوله ليكونوا لام الصيرورة لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار
أمرهم عن دعائه إلى ذلك، والسعير طبقة من طبقات جهنم وهي سبع طبقات وقوله: ﴿الذين
كفروا﴾ في موضع رفع الابتداء، وهذا هو الحسن لعطف الذين آمنوا عليه بعد ذلك فهي
جملتان تعادلتا... »[83]
فالحذر
الحذر من هذا العدو الذي نبأنا العليم الخبير بخطره على مصير ابن آدم، وكما حذرنا
من استدراجه لنا وإغوائنا في مثل قوله: ﴿يَا
بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ
الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا
الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 27]،
فإنه يذكر المجرمين في مشهد من مشاهد يوم القيامة حينما يأمرهم أن يتنحوا وأن
يتميزوا عن المؤمنين فقال سبحانه: ﴿وَامْتَازُوا
الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ
أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي
هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا
كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾
[يس: 59-62] وسواء كنتم تعقلون أم لم تكونوا كذلك، فإنكم تستحقون العذاب وتستحقون
جهنم، ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
[يس: 63-64]. ومن الملفت للانتباه أن نجد في ثلاثة مواضع يذكر فيها
العفو والصفح والدفع بالتي هي أحسن نجد للشيطان موقفا يسجله من خلال محاولة إفساد
هذا الإصلاح وبناء الألفة والرابعة في قراءة القرآن فقد قال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ
تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 199-201]، وبنفس
الأسلوب وبعض الألفاظ من سورة المؤمنون: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ
أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ
يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 96-98]، ومرة أخرى وبنفس الأسلوب وبعض
الألفاظ يتكرر التعوذ من الشيطان الرجيم وهذه المرة من سورة فصّلت: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ
حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا
ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: 34-36].
وبالتتبع للآيات التي يذكر فيها
الشيطان نجد أنه لا يغادر سانحة إلا وأغتنمها كي يُضلّ الناس جماعة وأفرادًا، وأما
جلاؤُهُ وإبعاده فيكون بالذكر وبالقرآن العظيم حيث جاء في آخر سورة النحل قوله
تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، وهي رابعة الثلاثة
السابقات.
المبحث الثاني: الاستقامة وتحسّن السلوك أهم
ثمار الاشتغال بالقرآن
المطلب الأول: معالم في طريق العلاج والشفاء
يترك تفكير الإنسان أثرا في نفسه أو غيره إذا كان قد أباح
له بأفكار أو طرحها عليه مما يؤدي إلى تغيير في شعور المتلقي ليصل هذا التأثر إلى
جانب السلوك، هذا ما قال به علماء النفس والبرمجة اللغوية العصبية، مما يلفتون
النظر إليه أنه قد تكون البداية بالشعور الملهم بالتغيير فيتبعه تغير في السلوك
مثلا ثم إلى التفكير، أو قد يكون المبدأ بالسلوك أولا ثم يتبعه عامل التفكير أو الشعور،
والقرآن الكريم صداه وتأثيره يكون على مستوى أحد العوامل الثلاثة أولا ثم يعم على
باقي العاملين، ونظر في الآية: ﴿اللَّهُ
نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ
جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى
اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ
يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: 23]، ذكر صاحب "حدائق
الروح والريحان" معنى هذه الآية في تفسيره: « والمعنى: إذا سمعوا
بالقرآن وقوارعُ آيات وعيده أصابتهم هيبة وخشية، تقشعر منها جلودهم، أي يعلوها
قشعريرة ورعدة ﴿ثم﴾ إذا ذكروا رحمة الله سبحانه، وعموم مغفرته عند سماع وعده ﴿تلين
جلودهم﴾ أي:لانت أبدانهم ﴿وقلوبهم﴾ أي نفوسهم ﴿إلى ذكر الله﴾ سبحانه وتعالى، واللين:
ضد الخشونة، ويستعمل ذلك في الأجسام، ثم يستعار للخلق ولغيره من المعاني، والجلود
عبارة عن الأبدان والقلوب عن النفوس »[84]، وهذه
حالة شعورية سوية تقابلها حالة شعورية مرضية كما ذكر الله تعالي في موضع آخر لمن
يهجرون القرآن: ﴿وَإِذَا تُتْلَى
عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي
أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ﴾ [لقمان: 7]، فهذا الأخير يعاني من احتقان وعطل في أذنيه لعدم مرور
الآيات البّينَاتِ إلى قلبه عبر أذنيه، وقد ترجم هذه الحالة الشعورية بسلوك
المستكبرين فقد ﴿ولّى مستكبرا﴾، وهو حسب السياق القرآني وكما جاء في أقوال
المفسرين ما معناه من قوله تعالى فهو:﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ
الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا
ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾:« أن يختار حديث الباطل على حديث الحق
وفي قوله: ويتخذها هزءا قال: يستهزئ بها ويكذّبها »[85]،
وهو بذلك له أفكار شيطانية، بينما صاحب الحالة الشعورية الأولى ينتج عنها أفكار
الهداية، وقد قالعزّ وجلّ: ﴿ذَلِكَ
هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ...﴾ [الأنعام: 88] وهو بذلك كان
اختياره بما نضح قلبه الحاني ونفسه الطيبة، وأما سلوكهم فهو كما قال فيهم ربناعزّ
وجلّ:﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ
مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122]، فهو يمشي في الناس بالنور، وحياته نور، إن
مات وهو ثابت على هذا النور، بعثه اللهعزّ وجلّ بالنور يصحبه، ويحشر بأرض النور
بإذن اللهعزّ وجلّ.
ولقد شهد
التاريخ الإسلامي فصولا ومحطات مهمة تتحدث عن تأثير الأخلاق الإسلامية للعرب
الفاتحين حيث كان الأوائل يتحرون الحلال والأحكام الشرعية في تجاربهم مع غير
المسلمين فما كان منهم إلا أن دخلوا في دين الله أفواجاً، حدث ذلك بإفريقيا، وخاصة
منطقة زنجبار الجزرية وهي جزء من دولة تنزانيا الحالية تتمتع بالحكم الذاتي، وكذلك
دول من جنوب شرق آسيا وعلى رأسها اندونيسيا، كما أن كلام أمّنا خديجة للرسول ﷺ حتى
تعيد له هدوءه وطمأنينته بعد عودته من غار حراء مذعورا وهو يقول:" زملوني،
زملوني...لقد خشيت على نفسي"، كان كلامها في الصفات الكريمة التي كان يتجلى
بها عليه الصلاة والسلام، قالت: (...أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل
الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب
الحق)[86]-حديث
صحيح-
كما لا يفوتنا أن نذكر بما قالته سفانة بنت حاتم الطائي
رضي الله عنها: « النبي ﷺ عقب بعض الغزوات وقف يستعرض الأسرى، فوقفت امرأة أسيرة
وقالت له يا رسول الله: هلك الوالد وغاب الوافد، فامنن علي مَنَّ الله عليك، وخلِّ
عني ولا تشمت بي العرب فإن أبي كان سيد قومه يفك العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ
الجار، ويحي الدمار ويفرج عن المكروب، ويطعم الطعام ويفشي السلام، ويحمل الكل
(الضعيف)، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجة فرّده خائبا، أنا بنت حاتم
الطائي، فقال النبي ﷺ: "يا جارية هذه صفات المؤمنين حقا" ثم قال صلى
الله عليه وسلم:"خلّوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق" ثم قال
صلى الله عليه وسلم: (اِرحموا عزيز قوم ذل، وغنياً افتقر، وعالما ضاع بين الجهال) »[87]
، وقد امتدح القرآن في سورة القلم بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وقد خص الرسول
ﷺ بعظيم الخلق لأهمية الأخلاق وفضلها على سائر الصفات والخصال، ثم إن الصالحين هم
الموعودون بالتمكين والإمامة فقال عزّ من قائل: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ
أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا
لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 105-106].
وبالعودة إلى مثلث مرسيدس[88]
وأهميته التي تكمن في تغيير الحالة الراهنة التي نريد استبدالها بحالة مطلوبة، من
المشاعر الإيجابية والتفكير الإيجابي والسلوك كذلك الإيجابي القويم، من خلال ما
يدور في واقع الناس، وكيف يُشَكلُ عليهم وكيف يَـحْصُلُأحدهم على الفرح بالقرآن
مثلا واللهعزّ وجلّ يقول: ﴿يَا
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا
فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:
57-58]، ومما يشكل على الناس أن يطبق الآيات البينات الواضحات خاصة فيما
يخص الأوامر والزواجر، فيقول بلسان الحال والمقال مثلا: أريد أن أؤدي الفرائض
والنوافل وأنا في حالة منشط وتحفيز، كما أريد أن لا أقع في الغيبة وسوء الظن
ومحاولة الإطّلاع على أحوال الآخرين حتى أتفادى ما نهانا الله سبحانه من التجسس والتحسس
على الآخرين، أو على الأقل إن وقعت أن أجد حرجا لأعود وأنيب إلى ربي تائبا، كما
أريد أن أكون متصدقا كريما وأنا محب لذلك وأن أكون مرتاحا في حال القدر في الرزق
كما في البسط فإن الله هو الرزاق...
ولكنني لا أستطيع، وهنا يأتي السؤال أين الخلل؟ فحاشا
لله أن يكون الخلل في كتاب ربّنا وقد بيّن لنا كل ما يلزمنا في كل أحوالنا ويكفينا
قولهعزّ وجلّ: ﴿...مَا فَرَّطْنَا فِي
الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ...﴾ [الأنعام: 38]، فالشأن كل الشأن متعلق
بالإنسان واستعداداته وما يمكنه من توجيه الجهد، يذكر أن أحدهم جاء عند إمام
المسجد وكان واعظا حكيما فقال له شاكيا: ما بالي لا أرى النبي ﷺ وقد سمعت عن
الكثير من رآه في المنام، فعليك يا شيخ أن تعطيني وصفة أطبقها حتى أراه عليه
الصلاة والسلام، فأرشدهُ إلى إعداد طبق من سمك وأن يكثر فيه الملح وأن ينام دون أن
يشرب حتى يرى ما يراه في المنام، وفعل الرجل... وجاء إلى الإمام ليخبره بما رأى من
ماء رقراقٍ زلالٍ سلسبيلٍ... فكان ذلك مقدمة من الإمام كي يفهمه بأن من رأوا رسول
الله ﷺ لم يأت هكذا بدون جهد، بل هو ثمرة تقديم الجهد مع السّداد والمقاربة[89]...
أما علاج أزمة عدم القدرة على تطبيق ما أُمِرنا به وما نُهينا عنه بكل ما يلزم من
بهجة وفرح وارتياح، فإن البرمجة اللغوية العصبية تقترح عليك إن كنت تريد المساعدة
في ذلك: فاعلم أن الكنز في داخلك بادي ذي بدء: الجسم، الروح، العقل والعاطفة، وما
عليك إلا أن تبادر إلى الخير وبأي الثلاثة شئت إلا في الحالة وحسب توجيهات الهدي
النبوي: ملازمة الوضوء وهو سلاح المؤمن (وهو سلوك) يحدث تغييرات على مستوى الشعور
حيث تتساقط الذنوب ليجد المتوضئ خفة ونشاط في نفسه ليأتي التفكير التلقائي في
إتيان الطاعات مستصحبا المقاربة والسداد... وهكذا، لابدّ أن نشير إلا أن ما ذُكرَ
ليس سوى تقنية يعتمدها الإنسان، وهي آلة كبقية الآلات كاعتماد دراسة قواعد النحو
لإتقان فهم نصوص القرآن وغيره... فإذا فتح الله عليك ازددت إيمانا: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى
وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [ﷴ: 17].
المطلب الثاني: الظفر ببركة القرآن
عرفنا مما تقدّم أهمية تخلية النفس من العوالق
والمغاليق، وتهيئتها لاستقبال ما جاء به رسول الله من الهدى والعلم من عند ربه فقد
ضرب عليه الصلاة والسلام مثلا: عَنْ أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: (إِنَّ
مَثَل مَا بعَثني اللَّه بِهِ منَ الْهُدَى والْعلْمِ كَمَثَلَ غَيْثٍ أَصَاب أَرْضاً
فكَانَتْ طَائِفَةٌ طَيبَةٌ، قبِلَتِ الْمَاءَ فأَنْبَتتِ الْكلأَ والْعُشْبَ
الْكَثِيرَ، وَكَانَ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمسكَتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللَّه بِهَا
النَّاس فَشَربُوا مِنْهَا وسَقَوْا وَزَرَعَوا. وأَصَابَ طَائِفَةٌ مِنْهَا
أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعانٌ لا تُمْسِكُ مَاءً وَلا تُنْبِتُ كَلأ فَذَلِكَ
مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينَ اللَّه، وَنَفَعَه بمَا بعَثَنِي اللَّه بِهِ،
فَعَلِمَ وعَلَّمَ، وَمثلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذلِكَ رَأْساً وِلَمْ يَقْبَلْ
هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)-متفقٌ عَلَيهِ-[90].
وقد يولد المولود على الفطرة ويجعل الله له سهولة ويسر،
ففي الحديث الصحيح: (إنَّ فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلْم، والأناة)-رواه
مسلم-،كلمة قالها الرسول ﷺ لأشج عبد القيس المنذر بن أشج العصري سيد
قومه،قال القاضي عياض: « الأناة: تربُّصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل،
والحِلْم: هذا القول الذي قاله، الدَّال على صحَّة عقله، وجودة نظره للعواقب، قلت:
ولا يخالف هذا ما جاء في مسند أبي يعلى:...قال: يا رسول الله، كانا فيَّ أم حدثا؟
قال: «بل قديم»، قال: قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبُّهما »[91]،
كما أننا نشهد في يوم الناس هذا عجائب بركة القرآن على مستوى الأشخاص، فمن أمي لا
يكتب ولا يحسب يحفظ القرآن كاملا، ومن صبي يحفظ قبل أن يرتاد مدرسة ولا كتاتيب،
و(معاق) من ذوي الحاجات لا يعرف شيئا في حياته سوى قراءة القرآن كاملا، وكل واحد
من هؤلاء وأولئك يُعَدُّ آية من آيات الله، وهي بمثابة الحجة القائمة على الأصحاء
الذين يحسنون إضاعة الوقت والمال في غير طائل، ومنهم من يتفنن في الاستمتاع بأوقات
الراحة والاستجمام وأطباق الطعام والأطايب، وإذا طرقت مع أحدهم باب الكلام عن
القرآن الكريم، فإن أحسنهم يأخذ نفساً عميقاً، ثم يجيبك، القرآن إيه، والله رانا
مفرّطون ورب يغفرنا... والحق يقال: أننا لنا المسؤولية في التقصير والتفريط
والغفلة والنسيان، ومهما ذكرنا من العبارات، فهي تدور رحاها على محور واحد اسمه:
هجر القرآن، ولمثل هؤلاء الناس وغيرهم علينا أن نولي عنايتنا بهم، وهذا أقل الواجب
من جهة، ومن جهة أخرى إبراء الذمة وإفراغها من المسؤولية،،، وقد نتأثر جميعا
ونتساءل لنخلص إلى أن العجز وشيء من القنوط واليأس، و...و ما إلى ذلك من ألفاظ
سلبية، إلا أنه علينا أن ننتبه أنه لا ينبغي للمؤمن أن ييأس، وما ذكر ما هو إلا من
تيئيس إبليس:﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ
يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ
مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175]، وفي هذه الحالة لا ينبغي لنا سوى التواصي
بالصبر والتواصي بالحق ومحاولة الإسراع بالنهوض مما نحن فيه من حالة -دعنا نسمّيها-
حالة راهنة، وهذا أقل ما يقال عنها، لنهيئ أنفسنا للانتقال إلى الحالة المطلوبة،
التي نُرضي بها ربناعزّ وجلّ، ثم تكون في مستوى ما نصبو من رؤية محددين الهدف
الرئيسي، فنتجه وجهة واحدة تحدونا مشاعر القيم العميقة التي يفيض بها القرآن علما
ونوراً ورحمة وهدى وبشرى للمؤمنين،، جاء في الذكر الحكيم قولهعزّ وجلّ : ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ
مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ
حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ
عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: 92]، وفي نفس السورة: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ
فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: 155]، ومن
سورة الأنبياء قوله تعالى:﴿وَهَذَا
ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ
أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 50]، وفي سورة ص
قال اللهعزّ وجلّ: ﴿كِتَابٌ
أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو
الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]، ولو أننا أعملنا في هذه الآيات الأربعة بعض الجهد
تدبراً بنيناه على بعض أساتذتنا، فلفظ مبارك كما هو واضح ورد ذكره أربع مرات، وهذا
القرآن أنزل وحيا من رب العزة على نبيه الكريم ﷺ وهو من عالم الغيب وهو حبل الله
ممتد من عالم الغيب إلى الناس بينما ذكر الله الماء وهو من عالم الشهادة في آية
واحدة ووصفه بأنه مبارك فقالعزّ وجلّ: ﴿وَنَزَّلْنَا
مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ
الْحَصِيدِ﴾ [ق: 9]، والمعلوم أن الماء لا لون له ولا طعم ولا شكل، فإذا
بالماء ينبت اللهعزّ وجلّ أنواعاً من ألوان كثيرة مختلفة، وذات أطعمة مختلفة
كثيرة، وأشكال مختلفة عديدة، ولقد بحثت في عدة تفاسير للمتقدمين والمتأخرين لأطلع
على تفسير: الماء المبارك الذي مرّ معنا في الآية السابقة ومما وجدته في نظم
الدرر: « ﴿ماء مباركا﴾ أي نافعا جدا ثابتا لا خيالا محيطا بجميع منافعهم، إلى
أن يقول وهنا محل الشاهد: ...ولما كان الماء سبباً في تكّون الأشياء، وكان سببا في
انعقاده حتى يصير خَشَباً وحَبًّا وعِنَباً، وغير ذلك عجبا، قال: ﴿فأنبتنا﴾ معبرا
بِنُون العظمة ﴿به جنات﴾ من الثمر والشجر والزرع وغيره مما تجمعه البساتين فَتُجِنُّ-أي
تسْتر- الداخل فيها، ولما كان القصب الذي يحصد فيكون حبه قوتا للحيوان، وساقه
للبهائم خصه بقوله: ﴿وحب الحصيد﴾ »[92]، ولما كان
من مراد القرآن وهداياته إيراد حقائق من عالم الشهادة لتقربنا إلى فهم عالم الغيب،
فالماء هو من عالم الشهادة هذا (الماء الذي تشربون) جعله الله مباركاً كما رأينا
وقد قرر القرآن هذه الحقيقة، فإن القرآن أنزله الله من عالم الغيب إلى عالم
الشهادة على الهيئة التي هو عليها من جانبه في عالم الشهادة فقد حدد الله ظرفا
زمنيا ومكانيّاً: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ
الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى
وَالْفُرْقَانِ...﴾ [البقرة: 185]، والقرآن عظيم، هو كريم، هو مبارك
كما جاء في الآيات الأربع التي مرّت معنا، وهو قول ثقيل لما كان بصدد نزوله على
النبي ﷺ: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ
قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]، وفي نفس السورة: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ
قِيلًا﴾ [المزمل: 6] بينما يسره أو وصل إلى الناس ميسراً: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17]، ولنا الآن أن نطلق العنان للتدبر في
بركة القرآن، بعدما عرفنا جانبا أو جوانب من بركة الماء التي ملأت حياتنا كلها مع
أن الماء تنتهي صلاحيته بانتهاء صلاحية الدنيا بينما القرآن مبارك وهو عابر للآخرة
وعدد ذكره في القرآن أربعة أضعاف بالنسبة للماء مع وضع الاعتبار لعالمي الغيب
والشهادة وإذا كان اللهعزّ وجلّ يبهجنا بالماء بإخراج الجنات وحب الحصيد وإخراج من
كل زوج بهيج فإن فرحتنا وبهجتنا بالقرآن منقطعة النظير سواء الدنيوية أو الأخروية،
ومن ناحية عالم الأفكار: فإنه بشرب الماء أو الاغتسال به تفتح للمرء أبواب الأفكار
على مصراعيه، فما بال من يعيش القرآن بكرة وعشيا ويتلوه آناء الليل وأطراف النهار،
ولا بأس أن نورد ما قاله المفكر الفيلسوف برنارد شو: لو كان ﷴ حيّا لحل مشاكل
العالم وهو يرتشف فنجان قهوة، أما من الناحية السلوكية فإن كان الإنسان المرتوي
المغتسل يحس بالانتشاء والانطلاقة مما يسمح له بالظهور المتكلف والامتزاج بين
الناس فيؤدي دوراً في أي مجال، وهو متألقا، فإن القرآن بوأ الرسول الكريم قمة
الأخلاق بشهادة القرآن الكريم ﴿وَإِنَّكَ
لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، وكان صلى الله عليه وسلم لائقا متألقا
في كل حالاته سواء في المنشط أوالمكره، وفي الرضا والغضب، وفي القصد والغني...الخ،
والحقيقة أن ما ذكر من بركة الماء مقارنة ببركة القرآن ما هي إلا مقاربة لا تتعدى
القطرة من بحر.
وإن كان هذا القول يصدق على من تعامل مع الماء ومع
القرآن، فما بال من كان هاجرا للماء لا يغتسل به ولا يشرب منه فهو إلى الموت أقرب،
وهو في الأرجاس والأنجاس يغرق ويختنق باعتبار الماء طاهراً مطهراً كما يقول
الفقهاء، أما من كان هجرانه للقرآن فمثله كمثل الميت الذي لا روح فيه.
المطلب الثالث: الإخراج من الظلمات إلى النور
﴿الله نور﴾ ذكره القرآن في سورة النّور: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ...﴾ [النور:
35]، وقال: ﴿...وَمَنْ لَمْ
يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: 40]، كما أن
النور هو اسم من أسماء القرآن أو صفاته إذ قال اللهعزّ وجلّ: ﴿...فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الأعراف: 157]، إلا أنه ورد في القرآن ما يثبت أن الله يتولى من
يتولاهم بالإخراج من الظلمات إلى النور عندما يبوئهم المكانة والأسباب لذلك فقد
ورد في مثل قوله: ﴿هُوَ الَّذِي
يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43]، وفي مثل قوله تعالى:﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ
السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ
وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 16]، جاء في
تفسير ابن الجوزي: « يهدي به الله يعني: بالكتاب، ورضوانه: ما يرضيه الله
تعالى، والسبل: جمع سبيل، قال ابن عباس: سبل السلام: دين الإسلام، وقال السّدي:
السلام: هو الله، وسبله: دينه الذي شرعه. قال الزجاج: وجائز أن يكون سبل السلام:
طريق السلامة التي مَنْ سلكها سلم في دينه، وجائز أن يكون السلام اسم اللهعزّ وجلّ،
فيكون المعنى: طرق اللهعزّ وجلّ. قوله تعالى: ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ﴾ قال
ابن عباس يعنى الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ يعني: الإيمان ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأمرِهِ ﴿وَيَهْدِيهِمْ
إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام وقال الحسن: طريق الحق »[93].
أما أكثر الآيات التي ذكر فيها النور فقد جاءت في مثل
قولهعزّ وجلّ: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ
النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ
الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: 1]، وكذلك: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ
لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: 9] وبمثل
قولهعزّ وجلّ: ﴿رَسُولًا يَتْلُو
عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق:
11] ، جاء في تفسير الخازن: « ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي
الْأَلْبَابِ﴾ أي ذوي العقول ثم نعتهم فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ۚ قَدْ أَنزَلَ
اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ يعني القرآن، ﴿رسولا﴾ أي وأرسل رسولا يتلو عليكم آيات
الله مبينات قرئ مُبيِّنات بالخفض أي: تبين الحلال من الحرام والأمر والنهي وقرئ
بالنصب ومعناه أنها واضحات ﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أي من ظلمة الكفر إلى نور
الإيمان، ومن ظلمة الجهل إلى نور العلم: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ
صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا أَبَدًا ۖ قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ يعني الجنة التي لا ينقطع
نعيمها، وقيل يرزقون طاعة في الدنيا وثوابا في الآخرة »[94]،
ومن مثل ما ورد في معنى القرآن:أنّه نور تتبين به الأحكام والشرائع كما تعرف
الأشياء والمعلومات بالمعارف والعلوم، فقد جاء في تفسير اللِّباب: « ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ خطاب
للكافة، ﴿قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني محمّدا ﷺ، وما جاء به من
البيّنات من ربّهعزّ وجلّ، وإنما سماه برهانا لما معه من المعجزات الباهرات التي
تشهد بصدقه ولأن البرهان دليل على إقامة الحق، وإبطال الباطل، والنبي ﷺ كان كذلك
لأنه تعالى جعله حجة قاطعة قطع به عذر جميع الخلائق، ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ
نُورًا مُّبِينًا﴾ يعني القرآن وإنما سماه نوراً لأنه تتبين الأحكام كما تتبين
الأشياء بالنور بعد الظلام، ولأنه سبب لوقوع نور الإيمان في القلب فسماه نورا لهذا
المعنى...»[95]،
فمن الآيات التي مرت معنا وغيرها يتبين لنا أن من لازم كتاب الله عموما والآيات
البينات منه يمنح صاحبها النور الذي يعيش به ويمشي به في الناس قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ
أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: 22]،
وقولهعزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: 29]،
فسبحانه الله كم حاز الملازمون لآيات الذكر الحكيم لنور يضيء طريقهم، فهم يعيشون
السلامة والسلام في الدنيا، وهم يستصحبون في ذلك البشائر وحضور الملائكة وكنف
السكينة، إنهم يعيشون الحياة الطيبة، حياة النور الذي يبعدهم عن سخط الله وينجيهم
الضربات والظلمات والمضايق، وأمّا إن كانوا ممن يهجرون الآيات أو يكتمون ما أنزل
الله من البيّنات والهدى فأولئك معرضون لسخط الله والإبعاد من رحمته، قال اللهعزّ
وجلّ:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ
لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ
يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]، وهؤلاء
يعتبرون من أخص الناس كونهم أشربوا الآيات وحصلوها ثم هجروها بشكل من الأشكال كما
سيأتي في التفسير فكتموها بدل أن يبلغوها، وليس بعيدا عن المعنى ما قاله ربناعزّ
وجلّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ
إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا
يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174].
جاء في تفسير السّعدي: « هذا وعيد شديد لمن كتم ما
انزل الله على رسوله من العلم الذي اخذ الله الميثاق على أهله، وأن يبينوه للناس
ولا يكتموهُ، فمن تعوّض عنه بالحطام الدنيوي، ونبذ أمر الله، فأولئك ما يأكلونه في
بطونهم إلا النار لأن هذا الثمن الذي اكتسبوه، إنما حصل لهم بأقبح المكاسب، وأعظم
المحرمات، فكان جزاؤهم من جنس عملهم،﴿ولا يكلمهم الله يوم القيامة﴾، بل قد سخط
الله عليهم وأعرض عنهم، فهذا أعظم عليهم من عذاب النار، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾، أي
لا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة، وليس لهم أعمال تصلح للمدح والرضا والجزاء عليها، وإنما
لم يزكهم لأنهم فعلوا أسباب عدم التزكية التي أعظم أسبابها العمل بكتاب الله »[96]، فمثل
هؤلاء لا يصلح الله أعمالهم والظلمات أولى بهم وهم في ظلمات الدنيا قبل الآخرة.
وفي مشهد من يوم القيامة جاء قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ
بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ
يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا
نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا
فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ
مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ
أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى
جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ
مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ
مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: 12-15]،
فهذا مشهد يجمع أصحاب النور وأصحاب الظلمات، وقد رأينا كيف يفصل بينهم، وفي هذا
اليوم كان أهل الظلمات يطمعون في أهل النور أن يقتبسوا منهم نورا بحجة أنهم كانوا
يعيشون معا: فكانوا يتشاركون في نمط الحياة، في المأكل والمشرب والمسكن لكن جواب
المؤمنين كان: بلى كنتم تشاركونا كل ذلك لكنكم فتنتم أنفسكم بفعالكم المخالفة
لتعاليم القرآن فهجرتموه فالنتيجة أنكم تحشرون في ظلمات كما عشتم في ظلمات الدنيا.
فقد جاء في أوضح التفاسير لابن الخطيب: « ﴿ألم نكن
معكم﴾ في الدنيا: نصلى مثلما تصلون، ونصوم مثلما تصومون، ونحج مثلما تحجون؟ ﴿قالوا﴾
أي قال المؤمنون للمنافقين ﴿بلى﴾ كنتم تعبدون معنا كما كنا نعبد، وتشهدون كما
نشهد، ﴿ولكنكم فتنتم أنفسكم﴾ أهلكتموها بالنفاق، وأوقعتموها في العذاب ﴿وتربصتم﴾...﴿أَلَمْ
يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي ألم يجئ الأوان الذي فيه
تخشع قلوب المؤمنين، ﴿لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾القرآن ﴿وَلَا
يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾... »[97]،
وقد تابع رحمه الله تفسيره بالقول أنّ أهل الكتاب طال عليهم الأجل أو الزمن بين
نزول الكتب إليهم ونزول الرسل بعد ذلك ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وكفروا بما آمنوا به
وتنكروا لكتبهم وشوهوها وحرفوها. انتهى كلامه-بتصرف-.
المبحث الثالث: الظفر بكرم القرآن يخوّلنا
سعادة الدارين
المطلب الأول: تحسّن الأخلاق والسلوك وارتقاء
القيم
تتداخل معاني الخلق والسلوك والقيمة فيما بينهما، إلّا
أن لكل لفظ مدلوله واستعمالاته فقد يعُم الخلق ويشمل السّلوك، كما تشترك القيمة مع
الخلق في معاني كثيرة، كما أن السلوك يتقارب مع القيمة...إلا أن لكل من الألفاظ
قيمة: فقيمة الخلق من حيث النفع في العبادات غاية في ذاتها: « وقد نص القرآن على
الغاية من إخراج الزكاة بقوله:﴿خُذْ
مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ
عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 103]،
فتنظيف النفس من أدران النقص والتسامي بالمجتمع إلى مستوى أنبل هو الحكمة
الأولى...ومن أجل ذلك وسّع النبي ﷺ في دلالة كلمة الصدقة التي ينبغي أن يبذلها
المسلم فقال: (تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة،
وإرشادك الرَّجل في أرض الضَّلال لك صدقة، وبصرك للرَّجل الرَّديء البصر لك صدقة)[98]-حديث
صحيح- »[99]،
وما تضمنه الحديث النبوي أخلاق تحركها مقاصد شرعية فرعية محورها الصدقة ببعدها
النفعي للمقصد الشرعي، بينما القيمة تكون أعمق من السلوك من حيث الحدود والمنفعة،
فقد نرى إنسانا آخر نشطا يُسرع في إنجاز ما بيده من أعمال خوف أن يدركه وقت إقلاع
الطائرة فهذا نسميه سلوكا، وحسب مستويات دولتز المنطقية[100]
فما بين السلوك والقيم نجد درجة كاملة هي درجة المهارات والقدرات، كما أن ذلك
السلوك والأخلاق على العموم لا يخضعان إلى المعيار القانوني الذي يهتم أو يجرم من
يقوم بفعل ذلك إلا إذا تركنا آثار للفعل إن كان سلبيا وفي هذه الحالة نخرج الأخلاق
من معنى الفعل السلبي، لتبقى السلوك الذي يتعلق به الظرف، أما الأخلاق فمهما ارتقت
وأخلص صاحبها فإنه يرجو الثواب من الله إن كان مؤمنا، وإن كان غير ذلك فقد يكون في
المرء سليقة، وهذا يبرز الفرق في الأخلاق عندنا كمسلمين، ولنخص بذلك من بعثه ربه
صلى الله عليه وسلم متمّما لمكارم الأخلاق، فخلق الإحسان تعريفه[101]:
أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، أما عند الآخرين فقد لا تكون
الأخلاق بشأن كشأنها بميزان الإسلام، ولكنها ما إن نخضعها إلى بعض الاعتبارات
والمعايير الشرعية حتى تفرغ من محتواها: فالتضحية من أجل الآخر خلق طيب وقيمة
عالية وسلوك حضاري حميد، وهذا عند الجميع، إلا أننا إذا حصرنا هذه التضحية في أنني
أؤدي نفسي بأي درجة من الأذى من أجل البشرية التي تتحمل وزر صلب المسيح، فإن
الإسلام وضع مثل هذه الأغلال والإصر التي كانت عليهم، وهي من مهمات الرسول ﷺ
لتصحيح المسار البشري وهدايته إلى التي هي أقوم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي
التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ
الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157].
جاء في تفسير اللباب فيما يخص الإصر والأغلال: « ﴿ويضع عنهم إصرهم﴾ قرأ عامر آصارهم
بالجمع: على صفة: فعال فانقلبت الهمزة التي هي فاء الكلمة ألفا لسبقها بمثلها
والباقون بالإفراد، فمن جمع فباعتبار متعلقاته وأنواعه، وهي كثيرة، ومن أفرد:
فلأنه اسم جنس، وقرأ بعضهم أَصْرهم بضمها، والإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه
من الحراك لثقله أي: إن شريعة موسى كانت شديدة كما تقدم تفسير هذه المادة في قول
تعالى: ﴿وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾-البقرة:286- والأغلال جمع
غل، هو هنا مثل لما كلّفوهُ لقطع أثر البول »[102]، وكان
رسول الله ﷺ إذا تلا من سورة الغاشية قولهعزّ وجلّ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ
عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ يبكي لحال هؤلاء الذين يعملون وينصبون أَمَّا الجزاء فهو
النار جاء في فتح البيان:« قال قتادة وابن ريد خاشعة في النار، وقيل: أراد
وجوه اليهود والنصارى على الخصوص، والأولى أولى، وفي البحر: الآية نزلت في
القسيسين وعباد الأوثان، وفي كل مجتهد في كفر، عاملة ناصبة أي أنها تعمل عملا
شاقا...ناصبة: تعبة يقال: نصب ينصب إذا تعب »[103]
وبالعودة إلى التضحية كسلوك فهي محمودة وهي تنم على حسن
الطويلة وجمال السجية أن يقوم إنسان بإنسان إنسان يكاد يغرق، وهنا تشترك الأخلاق
مع السلوك من حيث الاستعداد الفطري للإنسان إلا أن الأخلاق أشمل كونها تلازم
صاحبها دائما، أما صاحب السلوك فقد يكون قام به لما يقتضيه الحال أو مصلحته أو ظروفه،
أما التضحية كقيمة عميقة فهي تمثل إحدى مكونات رسالته في هذا الوجود، وهي تمتد إلى
أعماقه، ولذلك يقال عن فلان: ضميره حي، أي حاضر، حين آن أوان التضحية قام يضحي لا
يلوي على شيء، ولذلك فالإسلام يمتاز على غيره بالعمل على البناء الداخلي على مستوى
العمق الإنساني وديمومة الأفعال والأخلاق والقيم، أما عند الآخرين فهي لاشك موجودة
ولكن بُعدها لا يمكن أن يدرك الخصوصية الإيمانية أو يصل إلى مستواها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم
بالتحلم، ومن يتحر الخير يُعطه، ومن يتوق الشر يعطه)-حديث صحيح-.[104]
فباب الاجتهاد في المجال الأخلاقي والقيم والسلوك عليه
أن يطرق باستمرار عند من يحمل رسالة ورؤية في حياته، وخاصة من كان القرآن الكريم
ملازما له يتلوه تلاوة وتعلما وتحلما فقد قالعزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ
فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي
ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]، جاء في تفسير حدائق الروح والريحان: « والخلاصة:
أن تعليم الكتاب إشارة إلى معرفة ظواهر الشريعة، وتعليم الحكمة إشارة إلى فهم
أسرارها وعللها، وبيان منافعها ﴿وإن كانوا من قبل﴾: أي والحال أنهم كانوا من قبل
بعثة ﷴﷺ لفي ظلال مبين، وفي جهل ﴿مبين﴾ أي: بَّين واضح بعيد عن الحق، ولا ضلال أظهر
من ضلال قوم يشركون بالله ويعبدون الأصنام، ويسيرون وراء الأوهام، وهم على
ذلك أميون، لا يقرؤون ولا يكتبون حتى يعرفوا حقيقة ما هم فيه من ضلال، وإنما جعلها
منه لكونها وردت بعد محنة، فكان موقعها أعظم إذ أن بعثة الرسول جاءت بعد جهل وبعد
عن الحق، فكانت أَعَمَّ نفعاً وأَتَمَّ وقعاً».[105]
وإذا كان التوجيه القرآني الحكيم الذي خص به النبي ﷺ ومن
تاب معه من المؤمنين يجعلهم في حالة أهبة واستعداد، مما خولهم التمكين والشهود على
الناس فما بالنا وأين نحن من هذه التوجيهات والغفلة والعجز والركون تغمرنا فلا
نكاد نبين قالعزّ وجلّ: ﴿فَاسْتَقِمْ
كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلَا
تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ
إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ
فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 112-115].
المطلب الثاني: بروز النموذج والقدوة القرآنية
مرجعنا في أكثر من مناسبة حديث أمّنا عائشة وهي تخبر عن
خلق رسول الله ﷺ وأنه كان قرآنا يمشي، ومع ذلك فإن كان التوجه الرباني أن يكون
أسوتنا النبي ﷴﷺ فقد قال في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ
يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾
[الأحزاب: 21]، فهذا التوجيه نفسه كان قبل ذلك للنبي عليه الصلاة
والسلام خاصة ونحن معه المخاطبون في سورة الممتحنة أن يتبع ملة إبراهيم وأن يتأسى
به والمؤمنون معه: ﴿قَدْ كَانَتْ
لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا
لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ
أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ
لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ
شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا
وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الممتحنة: 4]، وفي نفس
السورة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: 6].
لو طبقنا معايير النمذجة السلوكية على ما ذكره القرآن في
شأن إبراهيم عليه السلام لوجدناه مكتمل النواحي المتمثلة في مثلث مرسيدس للتغير
(السلوك- الشعور- التفكير) وذلك حسب ما جاء في القرآن العظيم، ﴿...وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾
[النساء: 122].
فما فتئ القرآن يذكر صفاته وهي مبثوثة في مختلف آي الذكر
الحكيم، فمن مثل قولهعزّ وجلّ: ﴿وَاذْكُرْ
فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ
كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 41]، ومن مثل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75]،
ومن سورة التوبة: ﴿...إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114]، كما تحدث القرآن عن كرمه
فقال عز ذكره: ﴿فَرَاغَ إِلَى
أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: 26]، ومن سورة هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى
قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[هود: 69]، وكان عليه وعلى نبينا السلام إذا هيئ له الطعام يخرج يلتمس
من يشاركه الطعام، فمن هذه النصوص الكريمة يمكننا أن نستنبط روائع من أخلاق وسلوك
نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام... كما خصه القرآن بالذكر من ناحية إعماله
عقله مع ما يراه من قومه من ضلالات وإشراك بالله ما لم ينزل به من سلطان أو عبادة
من دونه من آلهة، ومن جهة أخرى كان لإبراهيم عليه السلام قراءة لكتاب الله المفتون
حيث عالم الشهادة بما فيه من معارف وعلوم ليقربنا إلى حقائق الغيب، وقد تنوعت
مشاهد القرآن الكريم وبثت في عدة سور منها ما كان في سورة الأنعام حيث نقل القرآن
لنا أحدث ما تدرج به إبراهيم مع قومه انطلاقا من المستوى العادي لعقولهم ومداركهم،
جاء في صفوة التفاسير: « ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ
اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا﴾ أي فلما ستر الليل بظلمته كل ضياء رأى كوكبا مضيئا في
السماء هو الزهرة أو المشتري ﴿قال هذا ربي﴾ أي على زعمكم قاله على سبيل الرد عليهم
والتوبيخ لهم واستدراجا لهم لأجل أن يعرفهم جهلهم وخطأهم في عبادة غير الله، قال
الزمخشري: كان أبوه وقومه يعبدون الأصنام والكواكب، فأراد أن ينبههم على ضلالتهم
ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدٍ إلى ألا
يكون شيء منها إلهاً وأن وراءها محدثها، ومدبرا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها
وميسرها، وقوله ﴿هذا ربي﴾ قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل فيحكي قوله كما هو
غير متعصب لمذهبه ثم يكر عليه فيبطله بالحجة ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ
الْآفِلِينَ﴾ »[106]، وهكذا
فعل إبراهيم عليه السلام مع القمر ثم الشمس، وبمقياس تطبيقات البرمجة اللغوية
استعمل إبراهيم عليه السلام فرضية من فرضياتها والتي نصها: الشخص الأكثر مرونة[107]
هو الأكثر تحكما، وقد تحكم في الموقف ليصدر عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حكما
على آلهتهم بقوله بعد أفولها جميعا: ﴿...فَلَمَّا
أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ
لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[الأنعام: 78-79].
ثم إن إبراهيم تابع مناظرته ومجادلته لقومه وحتى ينزع من
قلوبهم ما لهذه الأصنام أو الكواكب أو غيرها من المعبودات، ينزع عنها سلطان الهيبة
جاء على لسان القرآن: ﴿وَحَاجَّهُ
قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي
اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا
تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا
أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا
فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 80-81].
ومما أثار
جدل في أوساط بعض الباحثين ما جاء في القرآن من قول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي
كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ
تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ
لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ
أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ
مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[البقرة: 260]، جاء في التفسير الميّسر:« واذكر -أيها الرسول- طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية
البعث، فقال الله له: أَوَلم تؤمن؟ قال: بلى، ولكن أطلب ذلك لأزداد يقينًا على
يقيني، قال: فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك واذبحهن وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل
منهن جزءًا، ثم نادِهن يأتينك مسرعات. فنادى إبراهيم عليه السلام، فإذا كل جزء
يعود إلى موضعه، وإذا بها تأتي مسرعة. واعلم أن الله عزيز لا يغلبه شيء، حكيم في
أقواله وأفعاله وشرعه وقدره »[108]...فما
جاء في القرآن الكريم عن ذكر ما في مناقب إبراهيم ما يجعله أسوة وقدوة ابتداء من
نبي الرحمة رسول الله ﷺ، مرورا بأصحابه الكرام إلى كل البشرية، كما أن الله جل وهب
لإبراهيم من الذرية الطيبة، جعل فيهم الكتاب والحكم والنبوة، خاطب القرآن الرسول ﷺ
في هذه الآيات التي تتضمن المنظومة البشرية الكريمة الأصيلة وأوصاه بأن يقتدي
بهداهم بعد إيراد ذكر أسماء من هم سلالته مع العطف على ذلك نوح عليه السلام فقال
عزّ ذكره: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ
إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا
هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ
قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ
وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ
كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ
وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى
الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى
صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ
عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ
عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ
وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ
يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا
بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا
أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ
إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 84-90]، فإذا كانت المقاييس
البشرية تزكى هذا النوع الممتاز من البشر، فإن اللهعزّ وجلّ هداهم واجتباهم وزكاهم
بعنايته الكريمة...والجدير بالملاحظة أن أورد أسماء لنماذج صالحة وأخرىفاسدة
أوردنا بعضها ضمنيا كالنمرود وغيره من الشياطين الإنس والجن من النماذج الفاسدة
وفيهم إبليس اللعين والشيطان الرجيم، أما القدوات في القرآن فهي للإقتداء كلها
صالحة ومن القدوات الصالحة مريم عليها السلام، وآسية زوجة فرعون ونساء النبي من
جانب النساء، دون أن ننسى أم موسى وأخته، ومن الرجال من غير الأنبياء على اختلاف
بين العلماء في بعضهم: لقمان والخضر، ذو القرنين...
المطلب الثالث: الشهود الحضاري للأمّة
يختلف علماء الاجتماع في تعريف الحضارة وعناصرها لأسباب
أهمها أن الجانب الاجتماعي دائما يكون متميزا عن غيره من جوانب علمية التي تعتمد
العلوم الدقيقة في قياساتها، فالعلّامة ابن خلدون عرّف الحضارة على أنها: « تفنن
في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني
والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله »[109].
كتب الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله دراسات مهمة عبر كتب
فاقت شهرتها حدود بلده الجزائر: « حين يقوم الإنسـان باستغلال الموارد
المادّية استغلالاً جيّداً، محترماً قيمة الوقت، ومتوجهاً بذلك إلى نهضة المجتمع
الذي ينتمي إليه، فهو يبدأ بعملية الإنتاج الحضاري، وهذا التفاعل بين الإنسان،
والمادّة، والزمـان، عادةً ما يتمّ بمسـاعدةِ عاملٍ فِكري، بمعنى أنّ فكرة النّهضة
عند المجتمع هي التي توجّه هذا التفاعل وتحدّدُ فاعليّته »[110].
ذكر الأستاذ عمر عبيد حسنة في مقدمة كتاب "كيف
نتعامل مع القرآن": « فواقع معظم المسلمين اليوم مع القرآن مؤرق، وعلاقتهم به
يحكمها الهجر والعقوق إلى درجة نخشى معها أن نقول: إن علل الأمم السابقة التي حذّر
منها القرآن، ونبّه إليها الرسول- ﷺ- تسربت إلى العقل المسلم ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ
الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: 78]،
أي لا يعلمون الكتاب إلا تلاوةً وترتيلاً، قال ابن تيمية رحمه الله: عن ابن عباس
وقتادة في قوله ﴿ومنهم أميون﴾ أي غير عارفين بمعاني الكتاب يعلمونها حفظًا وقراءةً
بلا فهم، لا يدرون ما فيها... وقوله ﴿إلا أماني﴾ أي: تلاوة، لا يعلمون فقه الكتاب،
إنما يقتصرون على ما يتلى عليهم...
والأمية العقلية هذه تسود على الأمة في حال التقليد،
والغياب الحضاري، والعجز عن تدبر القرآن والتعامل مع الأحداث، واتخاذ المواقف،
واكتشاف سنن الله في الأنفس والآفاق، وحسن تسخيرها، ومعرفة كيفية التعامل معها
والنفاذ من منطوق النص وظاهرة إلى مقصده ومرماه ».[111]
من الشهود الحضاري أن نعمل على بناء ذهنية تُشِيعُ في
المجتمع المسلم السلام والاستقرار وأن يعم الصلاح والإصلاح فموارد الأمة لا تكفي
مهما فاضت على أهلها إن لم تكن في منأى عن الفاسدين، وكانت عرضة للسرقة
والمحتالين، وأن يسود الاحترام والعدل والرحمة، فهذه الصفات الحضارية تَوَفُّرُها
يغذي سريان الحياة في أوصال الأمة ولعل حديث رسول الله ﷺ مشيرا إلى بقاء الروم
بقاء الدنيا، وقد مر بنا الحديث إلا أنه لا بأس من إعادته قصد الاستفادة، حدث
المستورد القرشي عند عمرو بن العاص فقال[112]: سمعت
رسول الله ﷺ يقول: (تقوم الساعة والروم أكثر الناس)، فقال له عمرو أبْصِرْ ما
تقول! قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ، فقال عمرو بن العاص: لئن قلت ذلك، إن
فيهم لخصالا أربعا: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم
كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك.-حديث
صحيح-.
وإذا كان للحضارات مراحل تمر بها، فإن لها أعمار وآجالا
تبلغها، وقد جاء في القرآن الكريم ما يحفظ للأمم حياتها وشهودها، كما أنه أخبر عن
أسباب زوالها وهلاكها ويمكن أن نسقط ما ذكر في شأن عاد قوم هود، وقد بلغوا ما
بلغوا من القوة وظنوا أنها مانِعَتهُم من السقوط والزوال جاء السياق القرآني في
شأنهم:﴿فَأَمَّا عَادٌ
فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ
الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى
وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: 15-16]، السياق القرآني: ﴿...
كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾، وفي سياق آخر شبيه والقرآن يفسر بعضه، يبدأ
السياق بذكر هجرهم للآيات البينات، فكانت أنواع الهجران هنا متعددة مما أدى بهم
الأمر إلى هلاكهم: ﴿وَإِذَا تُتْلَى
عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ
يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ
مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَا آتَيْنَاهُمْ
مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا
أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: 43-45]،
جاء في تفسير فتح البيان[113]: ﴿وإذا
تتلى عليهم آياتنا﴾ القرآنية حال كونها ﴿بينات﴾ واضحات الدلالات ظاهرات المعاني
على التوحيد ﴿قالوا ما هذا﴾ يعنون التالي لها وهو النبي ﷺ﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ
أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدْ أَبَاؤُكُمْ﴾ أي أسلافكم من الأصنام التي
كانوا يعبدونها، ﴿وقالوا﴾ ثانيا: ﴿ما هذا﴾ يعنون القرآن الكريم ﴿إِلا إِفْكٌ
مُفْتَرًى﴾ أي كذب في حَدِّ ذاته غير مطابق للواقع مختلقٌ على الله من حيث نسبته
إليه فمفترى تأسيس لا تأكيد. ﴿وقال الذين كفروا﴾ثالثا: ﴿لِلْحَقِّ لَمَّا
جَاءَهُمْ﴾ أي لأمر الدين الذي جاءهم به رسول الله ﷺ: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ
مُّبِينٌ﴾، وفي قوله﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ذكر المفسر معناه:
أي ما بلغ أهل مكة من مشركي قريش وغيرهم من العرب عشر ما آتينا من قبلهم من القوة
والنعمة وكثرة المال والأولاد وطول الأعمار، فأهلكهم الله كعادٍ وثمود وأمثالهم.
وما نراه
اليوم من استكبار من بعض الأمم وقد قالوا بلسان حالهم من أشد منا قوة كما قالها
رئيسهم، وهو ناطق بلسانهم ولعدة مرات: نحن الأقوى في العالم، ويكاد يقول ما جاء به
القرآن الكريم لفظا وحرفا، فاللهعزّ وجلّ لا يحب المستكبرين، وفي الحديث القدسي[114]:
( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: قال اللهعزّ وجلّ: العز إزاري
والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منها فقد عذبته)-رواه مسلم-.
بينما كان موقف سليمان عليه السلام، وقد خَوَّل الله له
ملكا لم يعطه أحدا لم يزدد إلا تواضعا وجاء قوله على لسان القرآن: ﴿...رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ
نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ
صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾
[النمل: 19] وهو كلام متقارب مع النبي يوسف يخرج من مشكاة واحدة: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ
وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ
فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف: 101]، كما أنه كان متواضعا مع ربه
وقد تأدب في تعليقه عما جرى له مع إخوته، وكان له أن ينتصر فهو مظلوم ظلما لا غبار
عليه إلا أنه قال: ﴿...مِنْ بَعْدِ
أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي...﴾ [يوسف: 100].
والتمكين للصحابة تحقق لما اخذوا بكل ما جاءهم من الحق
ولم يؤمنوا ببعض وكفروا ببعض وكانوا نماذج قرآنية يؤمّهم رسول الله ﷺالذي كان
قرآنا يمشي على الأرض يبلّغ عن ربّه البلاغ المبين.
خلاصة
حاول
البحث في هذا الفصل، بعد التشريح
والاستقصاء والنظر والاستدلال والتحليل أحيانا وضع اليد على بؤر التوتر ونقاط
التحول، رجاء الدفع بعجلة التغيير في الإتجاه الصحيح، منتهجا أسلوب التخلية قبل
التحلية، فقد كان رسول الله كما أُثر عن بعض الصحابة قولهم، كان: "يفرغنا ثم
يملؤنا" ، فكما جاء في السياق القرآني: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو
عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2]
فقد
تطرقنا إلى مغاليق وأغلال وتحديات تلازم المسلمين، وقد تكون بعضها لصيقة بهم
والبعض منها يأتي من خارج الديار، على شكل غزو فكري، الغرض منه الهيمنة والتسلط
على رقاب المسلمين للحيلولة دون استيقاظهم واسترجاع مكانتهم في الهداية والقيادة
والإرشاد إلى شاطئ النجاة، وأن ذلك لا يتم إلا بالرجوع الى الحبل المتين وصراط
الله المستقيم، وإن كانت مثل هذه الدعوات لم تفتر يوما إلا أنها لم تتجاوز محاولات
الحث على ملازمة القرآن والنصيحة التي يتخلل بها الوعاظ والأئمة المصلين، والذي
يختلف هذه المرة هو اقتراح بعض الآليات والتقنيات على جمهور المسلمين ومساعدة على
إيضاح الطريق وبعث الأمل في القلوب وفي الأنفس، وأن الخير في أمة النبي ﷺ، وأنه لا
يطلب منا الكثير مما هو فوق استطاعتنا، وأن العمل القليل مع المداومة والثبات عليه
قد يبارك الله فيه ويبلغنا به المقاصد، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا
وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128] فملازمة العمل الصالح مع النية
الخالصة وخلق الإحسان يبلغون المسلم المنزلة، فلنسدد ولنقارب ولنلازم كلام الله
اتيانا للطاعات ما استطعنا، وانتهاءا جازما عن المعاصي، ولنسلك بأنفسنا المسالك
المنجية، ننجح في الدنيا بإذن الله ونفلح في الآخرة.
الخاتمة
نأتي على الخاتمة بهذا البحث بمشاعر
متنوعة تحدونا الآمال العريضة وتلهمنا الأفكار والخيارات الوفيرة، والإحساس بسريان
الطاقة الإيجابية في أوصالنا المنتعشة، كيف لا والقرآن يمنح من يتعاهده البركة،
فهو مبارك ويمنحه الكرم الغامر، ﴿إِنَّهُ
لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ يكرمه بشتى
أنواع المكرمات، وهذا الذكر الحكيم الذي يكسب صاحبه الحكمة ويزيل عنه الهم والغم
ويجعله يعيش ربيع قلبه غضا طريا، ونور صدره منشرحا فرحان جذلا، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57]
غير أن السؤال المطروح هو هل أن هذا
القرآن له صولات وجولات على قلوب الناس، فإذا ما أظلها الله غمرها بنوره وما على
الواحد منا إلا الجلوس وانتظار غدوات القرآن وروحاته؟ أم أن لتحصيل خيراته حديث
آخر؟ وبعدها يأتي سؤال آخر، هل أننا بافتراض الإتيان بموجبات تحصيله لمرة واحدة
تجزئ ولا عناء بعدها أم أنَّ للقرآن تَفَلُّتاته؟ وعلى الإنسان تعاهده؟ ليخطر
بالبال بعد ذلك تساؤل آخر، ما هي أسباب الثبات ليبقى ساكنا مستقرا في كيانه لا
يغادر؟ وهل بإمكاننا أن نحقق ذلك بإمكانياتنا المحدودة؟ أم بالاستعانة بالقوي
العزيز ومداومة الاتصال عبر حبله الذي طرفه بيد الله سبحانه وطرفه الآخر بيد
متعهده؟ ثم هل من أثر يظهر في سلوكنا وأخلاقنا؟ وهل من جدوى ترجى من ذلك تعم
البيئة والمحيط الذي يعيشه من داوم على الاشتغال بالقرآن واتخاذه شرعة ومنهاجا؟
وهل أن قدر المجتمع الملازم للقرآن يكون على قلب رجل واحد أم أن لكل حظه من أفضال
الله وعلى قدر المقدمات تكون النتائج؟…
وللإجابة على هذه الأسئلة وغيرها؛
فبالنسبة للتساؤل الأخير، فإن الجواب في ما ذكره القرآن﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ
عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ
عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ
وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾
[فاطر: 32-33] جاء في تفسير الخازن[115] قوله
تعالى ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾
يعني أوحينا إليك الكتاب وهو القرآن ثم أورثناه يعني حَكَمْنا بتوريثه، وقيل
أورثناه بمعنى نورثه الذين اصطفينا من عبادنا، قال ابن عباس يريد أمّة ﷴﷺ لأنّ
الله اصطفاهم على سائر الأمم واختصهم بكرامته بأن جعلهم أتباع سيد الرسل، وخصهم
بحمل أفضل الكتب ثم قسمهم ورتبهم، فقال تعالى:﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ...﴾، روي عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:(كلّهم
من هذه الأمّة).
أما
التساؤلات الأخرى فإنّ هذا البحث حاول الإجابة عنها عبر فصول ثلاثة:ففي الفصل
التمهيدي تدرجنا في دراستنا وفق ما يقتضيه منطق وخصوصية إيراد المعلومات والمعارف
الخاصة بأثر هجران القرآن على السلوك الإنساني، دراسة موضوعية تقوم على المنهج الاستقرائي،
وتمثل ذلك خاصه في عرض المصطلحات والمعاني والمفاهيم وخاصة لألفاظ القرآن والإنسان
والهجران، وكذا بعض الخصائص لأسماء وصفات القرآن قصد التهيئة للتعامل والتفاعل
معها، كما طبع الفصل الأول المنهج التاريخي خاصة في المبحث الأول وشيء من المنهج
التحليلي، وكذا المنهج الاستقرائي دائما، وذلك من أجل التبليغ والتبيان قصد
المساهمة في إثراء أدبيات الحقل العلمي والإنتاج الفكري بما يبرئ ذمة المرء من جهة
ومن جهة أخرى تحقيق الرسالة التي نؤمن بها وفق رؤية واضحة…
أما الفصل الثاني ففيه عرض لخيارات
علاج الهجران للقرآن على شكل اقتراحات قابلة للتطبيق، فالاقتصار على وعظ الناس
وإرشادهم على قيمتها لا يمكنها أن تقوم مقام الدراسات الجادة البناءة التي تقوم
على تحريك ثلاثية التغيير في الكائن الانساني من تفكير وشعور وسلوك…
ولقد أثبت البحث علاقة هجران القرآن
الكريم بتراجع أخلاق الإنسان وأن بذل الخيارات الممكنة وتقديم الجهد واستحضار
النية، من شأنها أن يكتب لها التوفيق في إحداث التغيير على مستوى السلوك الإنساني.
بعد إنجاز
هذا البحث خلصنا إلى النتائج التالية:
1. يؤثر
هجران القرآن سلباً على السلوك الإنساني.
2. تسوء
أخلاق الإنسان كلما زاد هجره للقرآن.
3.
هاجر القرآن
يفوته خير كثير، بسبب خوائه من القرآن فهو
خواء من الحياء والنماء والخير.
4.
تدب إلى نفس المؤمن مغاليق لا يشعر بها تجعل الإنسان في حالة احتقان، لا
يدري للحركة ولا للفعل سبيلا.
5.
للإنسان طبائع وصفات عرّفها له خالقه
سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، بذل الجهد من أهم ما يقدّمه
الإنسان من أجل التواصل وملازمة القرآن وهو من أهم أسباب تحصيل بركة القرآن.
6.
تدريب النفس وإكسابها المهارات والقدرات من شأنه أن يبعدها عن الكسل والدعة
الداعيان إلى هجران القرآن.
7.
محاولة المزاوجة بين ملازمة القرآن والعمل على تحسين السلوك والأخلاق
فكلاهما يخدم الآخر.
8.
حقائق القرآن لم تستثمر على مستوى الأمّة وعلى مستوى الأفراد إلا قليلا وفي
جوانب منها فقط، ونعني بذلك آيات الأحكام.
9.
إذا لم يترجم القرآن إلى كائنات بشرية تمشي على الأرض، يتراجع سلوك الناس
وأخلاقهم وينكمش عمل الدعوة.
10.
لا يُنتظر من المجتمع أن يكون على مستوى واحد من التقوى، والإيمان وهذا
معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ
عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ
وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 32]
11.
تكثيف التدريبات، وممارسة الدعوة على
أوسع نطاق إلى الانشغال بالقرآن يحسِّن من سلوك الإنسان.
12.
رفع الموانع والأغلال عن الذهنيات من
شأنه أن يساهم في إنهاء حالة الهجر.
13.
معرفة قدر القرآن لا يكون إلَّا
بتعلّمه ومدارسته ولو تعلق الأمر بالأعداء.
ومن خلال
معالجتنا لهذا الموضوع وفي ضوء النتائج السابق ذكرها، نوصي بما يلي:
1. التشجيع
على الرفع من مستوى الرسائل الجامعية والبحوث العلمية.
2. الدعوة
الفردية للاشتغال بأداء الورد اليومي، وإعطائه حق التلاوة والتدبر.
3. إقامة
الدورات التدريبية الخاصة بتطوير الذات والمهارات والقدرات.
4.
بذل الجهد في كل ما من شأنه إزالة هجر القرآن بطرق
مشروعة.
5.
إعادة تفعيل رسالة المسجد وجعله منارة تنمحي فيه كل ما يَـمُّتُ
بصلة إلى هجران القرآن: تعلّما وتزكية وحفظا وتلاوة.
6.
تحفيز عمل الجمعيات وتنمية جانب الأخلاق الجمعوية
ومحاربة الرذيلة وسب الله ورسوله والقرآن.
7.
إعادة النظر في برامج الأقسام والمخابر الجامعية خاصة
الشرعية منها وإكسابها صلاحيات أوسع، لإقامة دورات تدريبية.
8.
إبراز قيم الدعوة إلى تبليغ القرآن ولو آية، فأحب
الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
9.
إزالة كل مظاهر الغمز واللمز والغيبة والنميمة فمحاربتها
واجتناب هذه الآفات تبديد وتغيير لحالة الهجران.
10.
إرتقاء القيم الجمعية على مستوى الدولة يتطلب التعاون
كأساس لذلك، وإن توج الأمر باتخاذ قرار سياسي يُفَعِّل العمل بالقرآن فذلك حسن
جميل.
وصلّ
اللّهم على ﷴ وعلى آله وسلّم تسليما.
قائمة
المصادر والمراجع
المصادر
والمراجع باللغة العربية
1. القرآن
الكريم
مصنفات الحديث:
1. محمد بن
اسماعيل البخاري، الجامع الصحيح.
2. صحيح مسلم،
الجزء 8
3.
سنن
الترمذي
4.
مسند
الإمام أحمد
5.
سنن الطبراني
6. سنن البيهقي
معاجم:
1.
أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، المفردات
في غريب القرآن، المحقق: صفوان عدنان الداودي، الناشر: دار القلم الشامية، دمشق بيروت، ط1: 1412ه.
2. أبو الليث السمرقندي نصر بن محمد بن
أحمد بن إبراهيم، بحر العلوم، دار الكتب العلمية، ط1: 1413هـ - 1993م، عدد
الأجزاء: 3.
3.
أبو
نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (المتوفى: 393هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح
العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، الناشر: دار العلم للملايين – بيروت، ط4: 1407 هـ - 1987 م، عدد الأجزاء: 6.
4.
إسماعيل
بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي (المتوفى: 1399هـ)، هدية العارفين
أسماء المؤلفين وآثار المصنفين، وكالة المعارف الجليلةاستانبول 1951م، عدد
الأجزاء: 2.
5.
عبد
الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، بغية الوعاة في طبقات
اللغويين والنحاة، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية للكتاب، 1394 هـ
- 1974 م، عدد الأجزاء: 4.
6.
محمد
بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي (ت: 1205 هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس،
ت: مجموعة من المحققين، ن: دار الهداية، عدد الأجزاء: 40.
7.
محمد
عبد العظيم الزُّرْقاني (المتوفى: 1367هـ)، مناهل العرفان في علوم القرآن، دار
الفكر- بيروت، الطبعة 1: 1996م، عدد الأجزاء: 2.
كتب:
1. إبراهيم ابن
عمر بن أبي بكر البقاعي (المتوفى:885ه)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار
الكتاب الإسلامي- القاهرة، عدد الأجزاء:22، ج18.
2.
ابن
أبي حاتم الرازي (ت:327 هـ)، تفسير القرآن العظيم، ت: سعد محمّد الطيب نزار الباز-السعودية
ط3(1419 هـ) ج9.
3. ابن حجر
العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، باب العلم قبل القول والعمل، ج1.
4.
الز.
5. أبو الحسن الماوردي، النكت والعيون،
المحقق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ج4.
6. أبو الحسن
علي بن أحمد الواحدي النيسابوري الشافعي، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق
صفوان عدنان داوودي، دار القلم الدار الشامية، دمشق، الطبعة الأولى، الجزء الأول.
7.
أبو الحسن علي بن محمد الماوردي (المتوفى: 450هـ)، تفسير
الماوردي: النكت والعيون، ج4.
8. أبو الطيب
محمد صديق حان الفنوجي (المتوفى:1307هـ)، فتح البيان في مقاصد القرآن، راجعه: عبد
الله الأنصاري، المكتبة العصرية للطباعة والنشر، صيدا بيروت، عام النشر 1992م، عدد
الأجزاء 15، ج15.
9. أبو الفداء،
تفسير روح البيان، دار الفكر، بيروت،الجزء 6.
10.
أبو الليث نصر بن محمد السمر قندي(ت:373هـ)، تنبيه
الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، ت: يوسف علي بدوي، دار بن كثير، دمشق،
بيروت، ط3.
11.
أبو
المظفّر منصور السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (المتوفي:498هـ)، تفسير القرآن،
ت: ياسر بن غنيم -دار الوطن الريّاض السعوديّة ط1: 1418هـ.
12.
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي الدمشقي النعماني
(المتوفى:775هـ)، اللباب في علوم الكتاب، المحقق: عادل عبد الموجود معوض، الناشر:
دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، عدد الأجزاء 20، ج9.
14.
أبو عبد الله محمد بن عمر التيمي الرازي، مفاتيح الغيب،
دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت، 1420 هـ، الجزء 24.
15.
أبو محمد الحسين البغوي، معالم التنزيل في تفسير القرآن،
حققه وخرج أحاديثه، محمد عبد الله النمر وآخرين، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة
الرابعة، ج6.
16.
أبو
محمّد عبد الحق بن غالب ابن عطيّة الأندلسي (المتوفي:542 هـ)، المحرر الوجيز في
تفسير الكتاب العزيز، ت: عبد السلام عبد الشافي محمّد، ن: دار الكتب -بيروت ط1:
1422هـ عدد الأجزاء:6.
17.
أبو
محمد مكي بن أبي طالب القيرواني الأندلسي المالكي (المتوفى: 437هـ)، الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه،
وجمل من فنون علومه، ت: الشاهد البوشيخي ج7.
18.
أبوزيد
عبد الرحمان الثعالبي (المتوفي:875هـ)، الجواهر الحسان في تفسير القرآن، ت: محمّد
علي معوّض وعادل أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط1: 1418هـ،
ج4.
19.
الإمام النووي أبو زكرياء محي الدين بن شرف الحوراي
الشافعي،المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، ج1.
20.
بذرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه
وسلم، عدد من المختصين، بإشراف صالح بن عبد الله بن حميد إمام.
21.
جابر
أبو بكر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلّيّ الكبير، ن: مكتبة العلوم والحكم.
المدينة المنوّرة، المملكة العربيّة السعوديّة. ط5: 1424هـ-2003م ج1.
22.
جمال
الدين ابو الفرج ابن الجوزي (المتوفي:597هـ)، زاد المسير في علم التفسير، المحقق:
عبد الرزّاق المهدي، دار الكتاب العربي-بيروت ط1 ج3
23.
جمال الدين أبو الفرج ابن الجوزي (ت: 597هـ)، زاد المسير
في علم التفسير، ج1.
24. الجويني،
ج1، ط4، ف: دار الوسيلة للنشر والتوزيع – جدة.
25.
سميح عاطف الزين، تفسير مفردات ألفاظ القرآن الكريم
26.
سيّد
قطب إبراهيم (المتوفي: 1385هـ)، في ظلال القرآن، دار الشروق -بيروت -القاهرة ط17:
1412هـ ج4.
27.
سيرة
ابن هشام ج2، المحقق احمد شاكر، الرسالة، ط1
28.
عبد الرحمان بن محمد بن خلدون الحضرمي الأشبيلي (توفى:
808 هـ)، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن
الأكبر، دار الفكر، دمشق، ج1.
29.
عبد
الرحمان بن ناصر السّعدي (المتوفي:1376 هـ)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام
المنان، ن: مؤسسة الرسالة ط:1420هـ-2000م. عدد الأجزاء 1.
30.
العز بن عبد السلام، تفسير القرآن الكريم، المحقق عبد
الله الوهبي، دار بن حزم، الطبعة 1، ج2، بيروت، لبنان، 1416هــ.
31.
علاء الدين علي بن محمد بن عمر الشيحي أبو الحسن المعروف
بالخازن (المتوفى: 741هـ)، لباب التأويل في معاني التنزيل، تصحيح: محمد على شاهين،
دار الكتب العلمية، بيروت، ط1:1415هـ، ج4.
32.
فتح البيان، محمد صديق القنوجي، ج11.
33.
كمال
سعد الله، برنامج دبلوم البرمجة اللغوية العصبية، المركز الجزائري للتدريب
والتطوير، درارية، الجزائر
العاصمة.
34.
لطائف
الإشارات تحقيق إبراهيم البسيوني لتفسير القشيري، ن: الهيئة المصرية العامة
للكتاب-مصر، ط3 ج.
35.
مالك بن نبي (توفي: 1973م)، شروط النهضة، دار الفكر،
دمشق، ط11.
36.
محمّد
الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفي:1393هـ)، التحرير والتنوير، الدار التونسية
للنشر-تونس:1984م ج19 ص18.
37.
محمد الغزالي، خلق المسلم، دار الشهاب للطباعة والنشر،
عمار قرفي، باتنة، طبعة منقحة.1985م.
38.
محمّد
الغزالي السقا (المتوفى: 1416ه)، فقه السيرة، الناشر: دار القلم -دمشق، تخريج
الأحاديث: محمد ناصر الدين الألباني، ط1: 1427ه.
39.
محمد
بن جرير الطبري، تفسير الطبري، (ت:0/3)، المحقق: أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ج19.
40. محمد جمال
الدين القاسمي، محاسن التفسير، حققه محمد باسل عيون السود، الطبعة الأولى، الجزء
السابع، دار الكتب العلمية.
41.
محمد عبد اللطيف ابن الخطيب (المتوفى: 1402)، أوضح
التفاسير، المطبعة المصرية، ط6، 1383هـ، ج1.
42. محمد عبد
الله الهرري الشافعي، تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، إشراف
ومراجعة هاشم محمد علي بن حسين مهدي، ن: دار طوق النجاة، بيروت لبنان، ط1:
1421هـ-2001م، ج24.
43.
محمد
علي الصابوني، صفوة التفاسير، دار الصابوني للطابعة والنشر والتوزيع، القاهرة،
ط1:(1447هـ-1997م).
44.
مصطفى
البغا، محي الدين مستو، الواضح في علوم القرآن، ط2، دمشق، دار الكلم الطيب، 1998.
45.
نخبة
من أساتذة التفسير، التفسير الميسّر، مجمّع الملك فهد، المملكة العربيّة
السعوديّة. ط2: (1430هـ-2009م) عدد الأجزاء:1.
46. يوسف
القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، مطابع الشروق-القاهرة، ط3: 1421ه -2000م.
مواقع أنترنت:
1. أبو الليث السمرقندي، بحرالعلوم،
نقلا عن الموسوعة العالمية، على الرابط: http://www.mawsoah.net، ج2
2.
معنى-اذا-قامت-الساعة-وفي-يد-احدكم-فسيلة
binbaz.org.sa/fatwas/4057/
3.
عبد
الله محمّدو، من أعلام موريتانيا https://www.facebook.com/dedehmed
4. عدنان الغامدي، ذكر الإنسان في آي
القرآن،
9/09/2014م،tafaser.com
محاضرات
مسموعة:
1. محمد راتب
النابلسي: في محاضرة يوم:19/09/2017
2. طه جار
العلواني، بناء الأمة، لقاء مع قناة السلام عليك أيها النبي 2017، من أهم مقاصد
القرآن الكريم.
[1]- محمد بن عبد الله دراز (المتوفي: 1377 ه)، النبأ العظيم نظرات
جديدة في القرآن الكريم، اعتنى به: أحمد مصطفى فضلية، ن: دار القلم للنشر
والتوزيع: 1426ه، عدد الأجزاء: 1، ص41.
[2]- 5. عبد الرحمن بن أبي
بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، بغية الوعاة في طبقات اللغويين
والنحاة، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الهيئة المصرية للكتاب، 1394 هـ - 1974
م، عدد الأجزاء: 4، ج1، ص182.
[3]-هو أبوالحسن علي بن حازم من بني لحيان، من كبار أهل اللغة في
الكوفة، سمّي اللحياني لعظم لحيته (توفي: 210هـ): إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم
الباباني البغدادي (المتوفى: 1399هـ)، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار
المصنفين، وكالة المعارف الجليلة استانبول 1951م، عدد الأجزاء: 2، ج1 ص353.
[4]- إبراهيم بن السري بن سهل، أبو إسحاق الزّجّاج (المتوفي: 311هـ)،
معاني القرآن وإعرابه، المحقق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب -بيروت ط1:
1988م، عدد الأجزاء 5، ج1 ص305.
[5]-محمد بن عبد
الله دراز (المتوفي: 1377 ه)، النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم، ص43
بتصرف، مصدر سابق.
[6]- رواه البخاري، الجامع الصحيح
[7]- مصطفى البغا، محي الدين مستو، الواضح في علوم القرآن، ط2، دمشق، دار الكلم
الطيب، 1998، ص: 15-23، بتصرف
[8]- أبو القاسم الحسين بن محمد
الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، المحقق: صفوان عدنان الداودي، الناشر:
دار القلم الشامية، دمشق بيروت، ط1: 1412ه، ص94.
[9]- انظر الصحاح، مادة
"انس".
[10]- محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزبيدي (ت: 1205 هـ)، تاج
العروس من جواهر القاموس، ت: مجموعة من المحققين، ن: دار الهداية، عدد
الأجزاء: 40، ج14 ص396.
[11]- محمد بن جرير
الطبري، تفسير الطبري، (ت:0/3)، المحقق: أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ج19، ص54.
[12]- أبو الليث
السمرقندي، بحرالعلوم، نقلا عن المكتبة الشاملة خدمة مقارنة التفاسير، ج2، ص535.
[13]- أبو الحسن
الماوردي، النكت والعيون، المحقق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، ج4، ص143.
[14]- أبو محمد الحسين البغوي، معالم
التنزيل في تفسير القرآن، حققه وخرج أحاديثه، محمد عبد الله النمر وآخرين، دار
طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، ج6، ص82.
[15]- العز بن عبد السلام، تفسير
القرآن الكريم، المحقق عبد الله الوهبي، دار بن حزم، الطبعة 1،ج2، بيروت، لبنان،
1416هــ، ص424.
[16]- أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي
النيسابوري الشافعي، الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق صفوان عدنان داوودي،
دار القلم الدار الشامية، دمشق، الطبعة الأولى، الجزء الأول، ص: 778.
[17]- أبو عبد الله محمد بن عمر التيمي
الرازي، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، بيروت،
1420 هـ، الجزء 24، ص455.
[18]- محمد جمال الدين القاسمي، محاسن
التفسير، حققه محمد باسل عيون السود، الطبعة الأولى، الجزء السابع، دارالكتب
العلمية، ص425
[19]- أبو الفداء، تفسير روح البيان،
دار الفكر، بيروت،الجزء 6، ص207
[20]- محمد بن جرير الطبري، جامع
البيان في تأويل القرآن، الجزء 30، ص54.
[21]- يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع
القرآن العظيم، مطابع الشروق-القاهرة، ط3: 1421ه -2000م.، ص109-111.
[22]- ينظر بذرة النعيم في مكارم أخلاق
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، عدد من المختصين، بإشراف صالح بن عبد الله بن
حميد إمام.
[23]- إمام الحرم المكي،ج1، ط4، ف: دار
الوسيلة للنشر والتوزيع – جدة، ص: 5691.
[24]- رواه البخاري.
[25]-المستورد القرشي: هو الصحابي بن
شداد الفهري، قبض عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وهو غلام ولكنه سمع ووعى، صحابي
شهد فتح مصر واختط بها قاله: ابن يونس.
[26]- صحيح مسلم، الجزء 8، ص 176.
[27]- 13. أبو زكرياء محي الدين بن يحي بن شرف النووي
(المتوفى:676)، رياض الصالحين، المحقق: شعيب الارناؤوط، مؤسسة الرسالة،
بيروت-لبنان، ط3: 1998،ص42.
[28]- 38. محمّد الغزالي السقا
(المتوفى: 1416ه)، فقه السيرة، الناشر: دار القلم -دمشق، تخريج الأحاديث: محمد ناصر
الدين الألباني، ط1: 1427ه، ص105.
[29]- هو أكثم بن
صيفي التميمي حكيم العرب الصحابي الجليل، وكان أول من قال: "الحقّ أبلج
والباطل أعوج"...
[30]-محمّد بن جرير الطبري (المتوفي:310هـ)،جامع البيان في تأويل
القرآن، تحقيق: أخمد شاكر، مؤسسة الرسالة ط1: 1420هـ-2000م، عدد الأجزاء:24، ج21
ص592.
[31]- محمّد الطاهر بن عاشور التونسي (المتوفي:1393هـ)، التحرير
والتنوير، الدار التونسية للنشر-تونس:1984م ج19 ص18.
[32] -جمال الدين ابو الفرج ابن الجوزي (المتوفي:597هـ)، زاد المسير في
علم التفسير، المحقق: عبد الرزّاق المهدي، دار الكتاب العربي-بيروت ط1 ج3 ص415.
[33]- لطائف الإشارات تحقيق إبراهيم البسيوني لتفسير القشيري، ن:
الهيئة المصرية العامة للكتاب-مصر، ط3 ج3 ص649.
[34]-ابن أبي حاتم الرازي (ت:327 هـ)، تفسير القرآن العظيم، ت: سعد
محمّد الطيب نزار الباز-السعودية ط3(1419 هـ) ج9 ص2825.
[35]-ولد في 26/07/1856 توفي في 02/11/1950، مؤلف إيرلندي شهير، حاصل
على جائزة نوبل في الأدب لسنة 1925م.
[36]- عبد الله محمّدو، من أعلام موريتانيا https://www.facebook.com/dedehmed
[37]- محمّد الغزالي السقا، فقه السيرة، ص110 بتصرّف، مصدر سابق.
[38]- حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
[39]- محمد الغزالي السقا، فقه السيرة، ص112، مصدر سابق.
[40] - أبو إسحاق الزّجّاج (المتوفي: 311هـ)، معاني القرآن وإعرابه،
المحقق: عبد الجليل عبده شلبي، عالم الكتب -بيروت ط1 عدد الأجزاء 5، ج2 ص242.
[41]- كذلك قال الطبري في جامع البيان في تأويل القرآن ج18 ص240 مصدر
سابق.
[42]- محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج2 ص333 مصدر
سابق
[43]- في سيرة ابن هشام ج2 ص190، ونحن أهل شرك، وهم أهل كتاب. المحقق
احمد شاكر. الرسالة ط1
[44]- نخبة من أساتذة التفسير، التفسير الميسّر، مجمّع الملك فهد،
المملكة العربيّة السعوديّة. ط2: (1430هـ-2009م) عدد الأجزاء:1 ص119.
[45]- أبوزيد عبد الرحمان الثعالبي (المتوفي:875هـ)، الجواهر الحسان في
تفسير القرآن، ت: محمّد علي معوّض وعادل أحمد عبد الموجود، دار إحياء التراث
العربي – بيروت، ط1: 1418هـ، ج4 ص298.
[46]- أبو محمّد عبد الحق بن غالب ابن عطيّة الأندلسي (المتوفي:542
هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ت: عبد السلام عبد الشافي محمّد، ن:
دار الكتب -بيروت ط1: 1422هـ عدد الأجزاء:6، ج4، ص425.
[47]- أبو محمّد عبد الحق بن غالب ابن عطيّة الأندلسي، المحرر الوجيز
في تفسير الكتاب العزيز، ج2، ص249،نفس المصدر.
[48]- وهو القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي أبو
الفضل، عالم المغرب وإمام الحديث في وقته، كان من أعلم الناس بكلام العرب وأنسابهم
وأيامهم، ولّي قضاء سبتة ومولده فيها ثم قضاء غرناطة وتوفي بمراكش سنة 544ه.
[49]- رواه أبو عيسى الترمذي في سننه وقال: هذا حديث حسن.
[50]- الشاعر: حافظ إبراهيم. شاعر مصري عاصر أحمد شوقي وسمّي شاعر
النيل (توفي 1932م).
[51]- كمال سعد الله، برنامج دبلوم البرمجة
اللغوية العصبية، المركز الجزائري للتدريب والتطوير، درارية، الجزائر العاصمة،
ص33.
[52]- عبد الرحمان الثعالبي (ت 875هـ)، الجواهر الحسان في تفسير
القرآن، ج4 ص156 مصدر سابق
[53]- عبد الرحمان بن ناصر السّعدي (المتوفي:1376 هـ)، تيسير الكريم
الرحمن في تفسير كلام المنان، ن: مؤسسة الرسالة ط:1420هـ-2000م. عدد الأجزاء 1.
ص67.
[54]- عبد الرحمان بن ناصر السّعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام
المنان، ص553 مصدر سابق.
[55]- عبد الرحمان بن ناصر السّعدي، تيسير الكريم الرحمان في تفسير
كلام المنان، ص553 مصدر سابق.
[56]- /معنى-اذا-قامت-الساعة-وفي-يد-احدكم-فسيلة
binbaz.org.sa/fatwas/4057/
[57]- نفس المصدر السابق بتصرف
[58] -أبو القاسم الشّابّي الملقب بشاعر الخضراء (1909-1934م) شاعر
تونسي من العصر الحديث من قرية الشّابيّة -ويكيبيديا-.
[59]- الرسالة: مجموعة القيّم
[60]- الرؤية: مجموعة الأهداف
[61]- إجناتس جولدتسيهر (1266 - 1340 ه / 1850 - 1921 م) هو مستشرق
يهودي مجري عُرف بنقده للإسلام ولقد اشتهر بغزارة إنتاجه عن الإسلام حتى عد من أهم
المستشرقين لكثرة إسهامه وتحقيقاته عن الإسلام ورجاله، متأثراً في كل ذلك ربما
بيهوديته. وهو أبرز من قام بمحاولة واسعة وشاملة لنسف السيرة النبوية. ترجمة
مقتبسة من ويكيبيديا.
[62]- روبرت دولتر: أحد مساعدي مؤسسي البرمجة اللغوية العصبية جون
غريندر وريتشارد باندلر، بنى نموذج المستويات المنطقية بذكاء على أعمال ودراسات
جريجوري باتسون، وهو نموذج يسهّل معرفة الآخر عبر هذه المستويات.
[63]- اخرجه أحمد في مسنده رقم (3712) واللفظ له، وابن حبّان (972)،
والظبراني (210/10)(10352) باختلاف يسير.
[64]- التّحلّم: من الحلم، وطالما ورد هذا اللّفظ في كتابات المصنّفين،
وهو يحمل معنى الصّبر والأناة وما يُحمد من الصفات.
[65]- فرضيات البرمجة اللّغويّة العصبيّة ساعدت ولا زالت تساعد كثيراً
في مختلف ميادين التدريب والتطوير.
[66]-أبو المظفّر منصور السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي
(المتوفي:498هـ)، تفسير القرآن، ت: ياسر بن غنيم -دار الوطن الريّاض السعوديّة ط1:
1418هـ ص316.
[67]- محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج22 ص223
مصدر سابق.
[68]- أبو محمد مكي بن أبي طالب القيرواني الأندلسي المالكي (المتوفى:
437هـ)، الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن
وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه، ت: الشاهد البوشيخي ج7 ص4709.
[69]- محمد بن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج 12 ص 51
مصدر سابق.
[70]- سيّد قطب إبراهيم (المتوفي: 1385هـ)، في ظلال القرآن، دار الشروق
-بيروت -القاهرة ط17: 1412هـ ج4 ص2245.
[71]-جابر أبو بكر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلّيّ الكبير، ن:
مكتبة العلوم والحكم. المدينة المنوّرة، المملكة العربيّة السعوديّة. ط5:
1424هـ-2003م ج1 ص144.
[72]- نخبة من أساتذة التفسير، التفسير الميسّر، ص116،مصدر سابق.
[73]- يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، ص 175، مصدر سابق.
[74]- محمد علي الصابوني، صفوة التفاسير، دار الصابوني للطابعة والنشر
والتوزيع، القاهرة،ط1:(1447هـ-1997م)، ص
[75]- أبو الليث نصر بن محمد السمر
قندي(ت:373هـ)،تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، ت: يوسف علي بدوي،
دار بن كثير، دمشق، بيروت، ط3، ص21.
[76]- نخبة من أساتذة التفسير،التفسير
الميسّر، ص235، مصدر سابق.
[77]- نخبة من أساتذة التفسير،التفسير
الميسّر، ص176،مصدر سابق.
[78]- عدنان الغامدي، ذكر الإنسان في آي القرآن،: 9/09/2014م،tafaser.com
[79]- روى الحديث أحمد والطبراني والبيهقي،
سند صحيح من حديث النعمان بن بشير.
[80]- صحيح مسلم: 2700.
[81]- أبو الحسن علي بن محمد
الماوردي(المتوفى: 450هـ)، تفسير الماوردي: النكت والعيون، ج4، ص 136، مصدر سابق.
[82]- نفس المصدر: ج4، ص 137.
[83]- أبو محمد عبد الحق بن غالب بن
عطية الأندلسي (ت: 542هـ)،المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ج4، ص430، مصدر
سابق.
[84]- محمد عبد الله الهرري الشافعي،
تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، إشراف ومراجعة هاشم محمد علي بن
حسين مهدي، ن: دار طوق النجاة، بيروت لبنان، ط1: 1421هـ-2001م، ج24 ص537.
[85]- قاله قتادة في تفسير القرآن
العظيم لابن أبي حاتم الرازي ج9 ص3096 مصدر سابق.
[86]- صحيح البخاري:1/18،
ومسلم:1/97-98، من حديثها.
[87]- قصة سفانة بنت حاتم الطائي،
يرويها د. محمد راتب النابلسي: في محاضرة يوم:19/09/2017
[88]- مثلث مرسيدس: عبارة عن دائرة
مؤلفة من ثلاث أقسام مثلية الشكل تمثل كلا من: السلوك والشعور والتفكير، اصطلح
عليه من طرف مؤسسي البرمجة اللغوية العصبية.
[89]- الحديث: (سدِّدوا
وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة، والقصدَ القصدَ تبلغوا...)-حديث صحيح
رواه البخاري-
[90]- أبو زكرياء محي الدين بن يحي بن
شرف النووي(المتوفى:676)، رياض الصالحين، ص216، مصدر سابق.
[91]- المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
للإمام النووي أبو زكرياء محي الدين بن شرف الحوراي الشافعي، عرّف سابقا، ج1، ص189.
[92]- إبراهيم ابن عمر بن أبي بكر
البقاعي (المتوفى:885ه)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، دار الكتاب الإسلامي-
القاهرة، عدد الأجزاء:22، ج18، ص412.
[93]- جمال الدين أبو الفرج ابن
الجوزي( ت: 597هـ)، زاد المسير في علم التفسير، ج1، ص529، مصدر سابق.
[94]- علاء الدين علي بن محمد بن عمر
الشيحي أبو الحسن المعروف بالخازن (المتوفى: 741هـ)، لباب التأويل في معاني
التنزيل، تصحيح: محمد على شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1:1415هـ، ج4، ص310.
[95]- علاء الدين علي بن محمد بن عمر
الشيحي أبو الحسن المعروف بالخازن (المتوفى: 741هـ)، لباب التأويل في معاني
التنزيل، تصحيح: محمد على شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1:1415هـ، ج1، ص
454.مصدر سابق.
[96]- عبد الرحمان بن ناصر السعدي (المتوفى:1376هـ)،
تيسير الكريم الرحمان في تفسير كلام المنان، ص 839. مصدر سابق.
[97]- محمد عبد اللطيف ابن الخطيب
(المتوفى: 1402)، أوضح التفاسير، المطبعة المصرية، ط6، 1383هـ، ج1، ص:666.
[98]- صحيح البخاري.
[99]- محمد الغزالي، خلق المسلم، دار
الشهاب للطباعة والنشر،عمار قرفي، باتنة، طبعة منقحة.1985م، ص8.
[100]- مستويات دولترز المنطقية:
البيئة، السلوك، المهارات، القيم، الهوية، الجانب الروحي.
[101]- من حديث جبريل: جاءني جبريل على
هيئة رجل... الحديث.
[102]- أبو حفص سراج الدين عمر بن علي
الدمشقي النعماني (المتوفى:775هـ)، اللباب في علوم الكتاب، المحقق: عادل عبد
الموجود معوض، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط1، عدد الأجزاء 20، ج9،
ص339.
[103]- أبو الطيب محمد صديق حان الفنوجي
(المتوفى:1307هـ)، فتح البيان في مقاصد القرآن، راجعه: عبد الله الأنصاري، المكتبة
العصرية للطباعة والنشر، صيدا بيروت، عام النشر 1992م، عدد الأجزاء 15، ج15، ص:
200.
[104]- ابن حجر العسقلاني، فتح
الباريشرح صحيح البخاري، باب العلم قبل القول والعمل،ج1، ص161.
[105]- محمد الأمين الهري، تفسير الروح
والريحان في روابي علوم القرآن، ج5 ص241 مصدر سابق.
[106]- محمد علي الصابوني، صفوة
التفاسير، ج1، ص371، مصدر سابق.
[107]- المرونة أي: flexibility وهي من أهم أركان البرمجة اللغوية العصبية الأربعة:
(3+1) وهي: الخطوة الأولى + (تحديد الهدف + إرهاف الحس + المرونة)، كمال سعد الله،
برنامج دبلوم البرمجة اللغوية العصبية، ص 16،مصدر سابق.
[108]- نخبة من أساتذة التفسير، التفسير
الميسّر، ص44، مصدر سابق.
[109]- عبد الرحمان بن محمد بن خلدون
الحضرمي الأشبيلي (توفى: 808 هـ)،ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن
عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، دار الفكر، دمشق، ج1، ص216.
[110]- مالك بن نبي (توفي: 1973م)، شروط
النهضة، دار الفكر، دمشق، ط11، ص75.
[111]- محمد الغزالي،كيف نتعامل مع
القرآن: ص11.
[112]- صحيح مسلم، كتاب الفتن واشرط
الساعة، مصدر سابق.
[113]- فتح البيان، محمد صديق القنوجي،
ج11، ص205.
[114]- صحيح مسلم: 618/7.
[115] - علاء الدين
علي بن محمد بن ابراهيم بن عم الشيحي المعروف بالخازن، لباب التأويل في معاني
التنزيل، مرجع سابق، ص: 456.


