بسم الله الرحمن الرحيم
معالم التجديد في منهجية البحث من خلال التفسير الموضوعي وتطبيقاته
الاشكالية:
تفتقر بعض العلوم الإنسانية بشكل عام
والعلوم الإسلامية بشكل خاص إلى تفعيل جوانب من المنهجية العلمية وبعض الخطوات
التي تخضع لها بعض العلوم التجريبية والعلوم الدقيقة، وهذا راجع الى طبيعة هذه
العلوم وأعني بذلك قدسية النصوص عندنا، مما لا يسمح بإخضاع هذه النصوص الى مقاييس
بشرية واجتهادات عقلية قد تكون قاصرة عن فهم النص الديني وما يحمله من معاني تفوق
قدرات البشر، والتي يمكن أن تنحرف به الى الطريق الخطأ، ولكن المحاولات في هذا
الباب أثمرت بعض النتائج المرضية وأسهمت في الكشف عن حقائق علمية، سواء من حيث فهم
هذه النصوص ومن تم تطبيقها على واقع الناس وإيجاد حلول لكثير من المشاكل
الاجتماعية والنفسية العالقة في المجتمع ....أو من حيث الدفاع عن هذه المقدسات
والذود عنها ودفع الشبهات المثارة حولها....
هناك
معالم ومحاولات لا بأس بها في منهجية البحث في علوم التفسير والتي قطعت شوطا لا
يستهان به في فهم كتاب الله تعالى، وهذا ما أردت الحديث عنه في هذا المقال راجيا
من العلي القدير السداد والتوفيق، فما هو التفسير الموضوعي للقران الكريم، وماهي
معالم التجديد في هذا المنهج التفسيري الحديث، وكيف يمكن الاستفاذة من هذ
المنهج في علوم أخرى قريبة؟؟؟؟ وكيف يمكن ربط منهج البحث في التفسير الموضوعي
بالاشكالات الفكرية الواقعية؟ وما هي أسباب إسهام هذا المنهج في خدمة العلوم الانسانية والعلوم التربوية.
The
problematic:
Some humanities in general and Islamic sciences in particular lack
activation aspects of the scientific methodology and some of the steps that
some experimental sciences and exact sciences are subject to, and this is due
to the nature of these sciences and by that I mean the sanctity of texts we
have, which does not allow subjecting these texts to human standards and mental
endeavors You may be deficient in understanding the religious text and the
meanings it holds beyond human capabilities, which can deviate it to the wrong
path, but attempts in this section have yielded some satisfactory results and
contributed to the disclosure of scientific facts, both in terms of
understanding these texts and who have been applied to The reality of people
and Ija For many of the social and psychological problems outstanding solutions
in the community .... or in terms of the defense of these holy sites and to
defend them and pay the suspicions raised around ....
There are
significant features and attempts in the research methodology in the science of
interpretation, which have made significant strides in understanding the book
of God Almighty, and this is what I wanted to talk about in this intervention,
asking the Almighty to pay and reconcile, so what is the objective interpretation
of the Holy Qur’an, and what are the parameters of innovation in This modern
interpretative approach, and how can this approach be used in other nearby
sciences ????
المبحث
التمهيدي: ضبط المفاهيم وتحديد المصطلحات في معنى المنهجية والتفسير الموضوعي
1- تعريف
التفسير: لغة واصطلاحا
2- تعريف
الموضوع: لغة واصطلاحا
3- تعريف
المركب: التفسير الموضوعي
4- تعريف
المنهجية العلمية لغة واصطلاحا
المبحث
الأول: منهج التفسير الموضوعي ألوانه وأهميته في اسقاطه على الواقع
1- فوائد وأهميته في إنزال النصوص على الواقع.
2- ألوان
التفسير الموضوعي، وأهم خطواتها.
المبحث
الثاني: مظاهر التجديد في منهج التفسير الموضوعي وتطبيقاته
1-ربط
منهج البحث في التفسير الموضوعي بالاشكالات الفكرية الواقعية
2-أسباب
إسهام منهج التفسير الموضوعي في خدمة العلوم الانسانية والعلوم التربوية.
3-الخاتمة
4-المصادر
والمراجع
مقدمة:
بعض
الناس يريد فرض مناهج علوم أخرى على العلوم الإسلامية، بحجة دقة هذه المناهج
ونجاعتها وكونها تتماشى مع الرقي والتجديد ومواكبة الواقع، وتقديم حلول لمشاكل
العصر في المجتمع، كالمنهج التجريبي أو المنهج الاحصائي، أو بعض المناهج الأخرى
مثل المنهج التفكيكي والبنيوي والهرمونيطيقي....
وإذا كانت طبيعة العلوم الإسلامية تفرض
طريقة البحث وكيفية الكتابة فيها، فهي اليوم باتت مكتملة البنيان متضحة المعالم،
“اليوم أكملت لكم دينكم” فالوحي قد اكتمل والسنة قد جُمعت، فماذا يعني التجديد؟؟
خاصة إذ كانت لدينا نصوص نسيء فهمها من مثل: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو
رد..." أو ما ترك الأولون للأخرين شيء....الخ.
هناك
معالم ومحاولات في التجديد في منهجية البحث في علوم التفسير ظهرت وأسهمت في فهم
كتاب الله تعالى، وهذا ما أردت الحديث عنه في هذا المقال محاولا ابراز مظاهر هذا
التجديد، فما هو التفسير الموضوعي للقران الكريم؟، وماهي معالم التجديد في هذا
المنهج التفسيري الحديث، وكيف يمكن الاستفاذة من هذ
المنهج في علوم أخرى قريبة؟؟؟؟
المبحث
التمهيدي: ضبط المفاهيم وتحديد الاصطلاحات في التفسير الموضوعي والمنهجية.
1-
:
تعريفه.
لتعريف التفسير الموضوعي ينبغي أن نتعرض لتفسير لفظتي هذا المركب، المكون
من لفظة "التفسير" ولفظة "الموضوعي"، فنبدأ أولا بتعريف مادة
"فسر" في اللغة ثم في الاصطلاح، وبعد ذلك نتعرض لمادة "موضوع"،
لنعود بعد ذلك فنعرّف هذا المركب اللفظي كعَلم على علم مخصوص، وفن مدون.
أولا: التفسير
لغة: التفسير في
اللغة هو تفعيل من الفِسْرُ؛ الذي هو الكشف والبيان، وفسَّر الشيء يفسّره بالكسر،
ويفْسُره بالضم فَسْرًا، يعني: أبانه، والتفسير كشْفُ المراد عن اللفظ المبهم[1]،
وقال الأزهريُّ: الفَسْرُ: «كشف ما غُطّْيَ، وهو بيان وتفصيل للكتاب [العزيز]...
والتَفْسِرَةُ: اسم للبول الذي ينظر فيه الأطباء يستدلون بلونه على عِلَّةِ
العليل، [فكذلك المفسر يكشف
عن شأن الآية، وقصصها، ومعناها، والسبب الذي أُنزلت فيه، وكأنَّهُ تسمية بالمصدر،
لأن مصدر فعل جاء أيضا على تفعلة]، يعني فسَّرَ تَفْسِرَة.
وكل شيء يُعرفُ به تفسير الشيء ومعناه، فهو تفسرته، وقول الله تعالى:
﴿وَأَحْسَنَ تَفْسيرًا﴾[2]،
وقال بعضهم: التفسير: «كشف المراد عن اللفظ المشكل»[3]،
وفَسَرَ وسَفَرَ لغة واحدة، أي إشتقاقهما واحد، ومعناهما الكشف، قال الجوهريُّ:
«... وسَفَرَتِ المرأة: كشفت عن وجهها، فهي سافرٌ، ومَسَافِرُ الوجه: ما يظهر
منه... وأسفر الصبح، أي أضاء، وفي الحديث: أسفروا بالفجر، فإنَّهُ أعظم للأجر[4]..وأسفر
وجهه حُسنًا، أي أشرق»[5].
وقال الزركشي في البرهان: «والتفسير هو الكشف أيضا،
فالتفسير كشف المغلق من المراد بلفظه، وإطلاق للمحتبس عن الفهم به، ويُقال: فسَّر
الشئ أفْسَره تفسيرا، وفسّرْتُهُ أُفْسِرُهُ فسرًا، والمزيد من الفعلين أكثر في
الاستعمال، وقال آخرون هو مقلوب من سفر ومعناه أيضا الكشف، يقال سفرت المرأة سفورا
إذا ألقت خمارها عن وجهها، وهي سافرة، وأسفر الصبح أضاء»[6].
وجميعهم متفقون على أن أصل التفسير الكشف والبيان.
اصطلاحا: لقد تفاوتت التعاريف الاصطلاحية لهذا اللفظ بسبب اختلاف العلماء في
تحديد ما يندرج تحته من مدلول ومعنى، ومقصد، فبعضهم يقول: هو علم يُعرف به نزول
الآيات، وشؤونها وأقاصيصها، والأسباب النازلة فيها، ثم ترتيب مكيُّها، ومدنيُّها،
ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومقيدها، ومجملها
ومفسرها، وحلالها وحرامها، ووعدها ووعيدها، وأمرها ونهيها، وأمثالها وغيرها[7]
وقد جمع هذا التعريف كل ما يتعلق بعلوم
القرآن، وتناول مختلف الدراسات القرآنية.
وهناك من يقول: «هو علم يبحث فيه عن كيفية
النطق بألفاظ القرآن، ومدلولاتها، وأحكامها الإفرادية والتركيبية، ومعانيها التي
تحمل عليها حالة التركيب وتتمات لذلك[8]
وقصد بذلك عدة علوم كالقراءات، ومعاني
الألفاظ، والنحو، والصرف، والبيان، والبديع، وهذا يُفهم من خلال قوله: «كيفية
النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها، وأحكامها التركيبية والافرادية»، والمجاز من خلال
قوله: «ومعانيها التي تُحمل عليها حالة التركيب»، وقصد أيضا علم أسباب النزول
والمبهم،...وغيره، وهذا يُفهم من قوله: «وتتمات ذلك»، وهو كل ما يتعلق بما جاء في
كتاب الله من متشابه ومحكم وقصص...وغيره.
وأما الزركشي فيعرّف التفسير بقوله: «التفسير: علم يُعرف به فهم كتاب الله المنزل
على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه، واستمداد
ذلك من علم اللغة، والنحو، والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه، والقراءات، ويحتاج
لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ»[9]، وهو
الكشف عن مراد الله بقدر الطاقة البشرية.
وهذا الأخير تعريف عام، يفهم منه أن التفسير هو الجهد الذي يبذله المفسر،
للكشف عن مراد الله تعالى من خلال خطاب الله المتعلق بأفعال العباد، بقدر
استطاعته، وبقدر ما آتاه الله من علم، وبما فتح الله به عليه من فهم.
ثانيا: الموضوع
لغة: فهو في الأصل مصدر ميمي لفعل وضع، يقال في اللغة وضعه يضعه وضعا
وموضعا وموضوعا، بمعنى حطّه، ويقال ذلك في الحمل والحمل -بفتح وكسر الحاء- فيقال:
وضعت الحمل فهو موضوع، قال I: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾[10] وقولهY: ﴿وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾[11]، فهذا الوضع عبارة
عن الإيجاد والخلق. ووضْعُ البيت: بناؤه، قال U: ﴿إِّن أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ
لِلنَّاسِ﴾[12]ووضعت الدابة، أسرعت،
وتضع في سيرها: تُسرع، ودابة حسنة الموضوع سريعة، وأوضعتها: حملتها على الإسراع[13]،
والإبل ألزمتها المرعى فهي موضوعة[14].
والموضوع أيضا مــن الـوضـع؛ وهو جعل الشيء
في مكان ما، سواء أكان ذلك بمعنى الحط والخفض، أو بمعنى الإلقاء والتثبيت في
المكان، تقول العرب: ناقة واضعة: إذا رعت الحمض حول الماء ولم تبرح، وهذا المعنى
ملحوظ في التفسير الموضوعي، لأن المفسر يرتبط بمعنى معين لا يتجاوزه إلى غيره حتى
يفرغ من تفسير الموضوع الذي أراده[15].
وهذه لفظة غنية المعاني، حقيقية ومجازية، وهي لا تستعمل في الاستعمال الذي
نقصده لأنها مصطلح حديث شاع حتى أصبح حقيقة عرفية على القضية العلمية.
إصطلاحا:
جاء في المعجم الوسيط: «الموضوع هو المادة
التي يبني عليها المتكلم أو الكاتب كلامه»[16]،
وهو محل العرض المختص به، وموضوع كل علم: ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، كبدن
الإنسان لعلم الطب، وكالكلمات لعلم النحو[17].
ويعرّفه آخرون بأنه قضية، أو أمر متعلق بجانب من جوانب الحياة، في العقيدة
أو السلوك الاجتماعي، أو مظهرا من مظاهر الكون، تعرَّضت لها آيات القرآن الكريم[18]،
وإضافة (تفسير) إلى (موضوعي): صارت علما على هذا الفن، بعد أن رُكبت معها وصارت
كلمة واحدة، كما هو الشأن في اسم (معد يكرب)، أو (حضرموت)، أو (سيبويه)،
فتنوسيت تلك الإضافة مع مرور الزمن، وصارت كأنها كلمة واحدة لها معنًا خاصًا بها.
ثالثا: تعريف التفسير الموضوعي كمركب إضافي فهو: عبارة عن منهج جديد يُتناول به تفسير
القرآن الكريم، بطريقة سهلة ميسورة تخدم المقبلين على كتاب الله، فتمكنهم من فهم
القرآن الكريم فهما دقيقا كاملا، وهو «عبارة عن جمع الآيات القرآنية التي تتحدث عن
موضوع واحد، مشتركة في الهدف، وترتيبها على حسب النزول-كلما أمكن ذلك- ثم تناوُلها
بالشرح والتفصيل، وبيان حكمة الشارع في شرعه وقوانينه، مع الإحاطة التامة بكل جوانب الموضوع كما ورد في القرآن الكريم، والدب[19] عما
يمكن أن يكون قد أثير حوله من شُبَه الضالين والملحدين من أعداء الدين»[20]، وقيل: هو علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر[21].
وقيل: هو علم يبحث في قضايا
القرآن المتحدة معنى وغاية عن طريق جمع آياتها المتفرقة، والنظر فيها على هيئة
مخصوصة بشروط مخصوصة لبيان معناها، واستخراج عناصرها، وربطها برباط جامع[22]، وكل هذه التعاريف متقاربة بعضها لبعض، إذ تصب في معنى واحد، فبعضهم عرّف
التفسير الموضوعي باعتباره علما على فن مدون، وبعضهم عرفة على اعتبار أنه مركب
وصفي،ولعل كل هذه التعاريف تخدم بعضها بعضا وتتم المعنى المطلوب.
رابعا:
مفهوم المنهج والمنهجية: إن الحديث عن البحث
العلمي لا يمر إلا من خلال قناة الحديث عن المنهج العلمي، حيث مهما كان موضوع
البحث، فإن قيمة النتائج تتوقف على قيمة المناهج المستخدمة.
تعريف
المنهج :لغويا نقصد به
الطريق أو المسلك، أما اصطلاحا فقد عرف معني و مفاهيم عديدة ومتنوعة، حيث يعرفه
عبد الرحمن بدوي بأنه " الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم،بواسطة
طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة
معلومة."
وهناك
من يرى أن كلمة منهج تعني " عدة أدوات استقصائية تستعمل في استخراج المعلومات
من مصادرها الأصلية و الثانوية، البشرية والمادية، البيئية والفكرية، تنظم بشكل
مترابط ومنسق لكي تفسر وتشرح و تحلل ويعلق عليها."
و من
جهته يحدد عامر مصباح معنى المنهج بأنه " مجموعة الخطوات العلمية الواضحة و
الدقيقة التي يسلكها الباحث في مناقشة أو معالجة ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو
إعلامية معينة."
المبحث الثاني: أهمية منهج التفسير الموضوعي وألوانه في
اسقاطه على الواقع
2- أهمية التفسير الموضوعي:
-
أخد التفسير في العصر الحديث اتجاهات متعددة ومناهج متنوعة، بعضها يساير ما كان
عند القدامى ويعتبر امتدادا له، وبعضها لم يكن له عند القدامى قسمات واضحة، وإنما
هو لون تعروه جدة في إطاره، وبعض مضامينه، وإن كان لا يخلو من أثر يمكن نسبته إلى
جهود القدماء، ولقد اجتهد المعاصرون في البحث عن طرق وسبل تيسّر لهم فهم القرآن
الكريم، وضوابط وقواعد جديدة تُمكن المفسر من خوض غمار هذا الكتاب العظيم، وهذا
بسبب التقدم والتطور الذي عرفته البشرية.
يقول الدكتور محي الدين بلتاجي في هذا الشأن: «والواقع أن الحياة الانسانية
قد تغيرت معالمها ومعارفها تغيرا كبيرا منذ بدأ التأليف في التفسير عند القدامى،
بمساراتهم التي ارتضوها حتى هذا القرن الذي نعيشه، والذي تشكلت في مطلعه حضارة
مادية أظلت حياة الناس، تغلب عليها النظرة العلمية، وتوجه الكثير من اتجاهات الفكر
فيها... ومما لاشك فيه أن كثيرا من القضايا التي عرض لها القدامى من المفسرين، لم
تعد تساير العصر، لأنها ليست من معطياته الفكرية في شيء، ومن هنا اتجه الكثير من
المحدثين إلى التفسير، وهم يحاولون الربط بين ما جدَّ في حياتهم من قضايا وبين
كتابهم»[23]
ويقول الدكتور يوسف القاسم: «ممَّا لا شك فيه أن
هذا النوع من تفسير القرآن الكريم نحن في أشد الحاجة إليه، وخصوصا في هذا العصر
الذي تقدمت فيه العلوم والمعارف، وتغيرت العادات والتقاليد عما كانت عليه من قبل،
وأصبحنا في حاجة ماسة إلى عرض أعمالنا على القرآن والسنة الشريفة وعمل السلف
الصالح، فما وافق أخذنا به وما لا يوافق طرحناه وراء ظهورنا»[24].
وإن تقسيم القرآن إلى مواضيع معينة وتفسيرها، هي الطريقة المثلى في الكشف
عن خبايا هذا الكتاب، من تشريعات، وقواعد، وسلوك حميد، وكل ما من شأنه يفيد الناس
في حياتهم، وما يتعلق بسلوكهم، وهذا ما يشعرنا بما للقرآن من صلة وثيقة بنظامنا
الديني، والاجتماعي، والأخلاقي.
كما أن أهمية هذا المنهج تكمن في التصدي لمبادئ الشيوعية والإلحاد وبعض
المادية، خاصة وأنها تدعي إطلاق الحرية، وتتهم الآباء بالغفلة والرجعية، وذلك من
خلال إبراز مواضيع القرآن الكريم بصورة علمية جديدة، وبشكل يخدم القضايا المعاصرة،
ويطرح الموضوع من جوانبه المختلفة، لتكتمل الصورة، وتقوم الحجة، على كل من يدعي
فهم الحياة وحقيقة الإنسان، ليزداد الذين آمنوا إيمانا، وليستيقن من كان في قلبه
ريب.
كما تتجلى أهمية هذا المنهج في إبراز وجه من أوجه إعجاز هذا الكتاب المحكم
المرتب ترتيبا يوحي بأنه من عند حكيم حميد، لا سيما إذا كانت أسباب النزول متعددة،
وأزمنة النزول متباعدة، حيث يظهر ذلك من خلال جمع الآيات، وصبها في موضوع واحد،
كما هو الشأن في هذا المنهج من التفسير.
ويرى الأستاذ أحمد رحماني أن أهمية التفسير الموضوعي تكمن في تحديده موضوع
معين، وهو تتمة لرسالة الفقهاء[25].
ويمكن تلخيص أهمية هذا المنهج في الأمور التالية:
الأول: إبراز وجوه جديدة من إعجاز القرآن الكريم، وجدها المفسر جلية في
آيات القرآن، لا لبس فيها ولا غموض، بعد تتبع مواطن ذكرها فيه، فيسجل عندها سبق
القرآن إليها، ويدلل بذلك على كونه كلام الله الذي لا يأتيه فكلما جَدّت على
الساحة أفكار جديدة -من مُعطيات التقدم الفكري والحضاري- الباطل من بين يديه ولا
من خلفه، وأنه الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي غرائبه ودلائل إعجازه.
الثاني: التأكيد على أهمية تفسير القرآن بالقرآن، الذي هو أعلى، وأجل أنواع
التفسير، إذ قد يوجد من لا يلجأ إلى القرآن عند إرادة إيضاحه وتفسيره لقصور فيه،
أو تقصير منه، وبالتفسير الموضوعي ندرك أهمية هذا اللون من التفسير فتزداد عنايتنا
به، وتتعاضد جهودنا لبيانه، فَنُكفى بذلك الوقوف عند كثير من مشكل القرآن، أو
مواطن الخلاف بين علماء الأمة في تفسير آياته، ونورد ما يوضح المراد ويشفي العليل
ويروي الغليل بالقرآن نفسه.
الثالث: إن تجدد حاجة البشرية، وبروز أفكار جديدة على الساحة الإنسانية
وانفتاح ميادين للنظريات العلمية الحديثة لا يمكن تغطيتها ولا رؤية الحلول لها إلا
باللجوء إلى التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، إذ عندما نجابه بنظرة جديدة، أو علم
مستحدث، فإننا لا نقدر على تحديد الموقف من هذا العلم، وتلك النظرية، وحل المشكلة
القائمة، وبيان بطلان مذهب، إلا عن طريق تتبع آيات القرآن، ومحاولة استنباط ما يجب
نحو كل أولئك.
وإن جمع أطراف موضوع ما من خلال نصوص القرآن
والسنة، يمكّن الباحث من القيام بدور اجتهادي للتوصل إلى تنظير أصول لهذا الموضوع،
وعلى ضوء هدايات القرآن ومقاصده نستطيع معالجة أي موضوع يَجدّ على الساحة.
الرابع: إثـراء المعلومات حول قضية معينة، فغالباً ما يُطرح موضوع أو قضية
أو فكرة أو مشكلة للبحث، ويبقى أيُّ من ذلك محتاجاً إلى إشباع، ومزيد من الدراسة،
ويتم تحقيق ذلك من خلال التفسير الموضوعي بحيث تتبين لذوي الشأن أدلة جديدة، ورؤى
مستفيضة، وتفتيق لشيء من أبعاد القضية المطروحة.
الخامس:
تأصيل الدراسات أو تصحيح مسارها: لقد نالت بعض علوم القرآن حظاً وافـراً من البحث
والدراسة، إلا أن هناك علوماً أخر برزت جديدة تحتاج إلى تأصيل بضبط مسارها حتى
يؤمن عثارها مثل (الإعجاز العلمي في القرآن )، فـقد كثر الكاتبون حوله إلا أنه بحاجة
ماسة إلى ضبط قواعده لِيُتَجَنَب الإفراط فيه أو التفريط، وهذا إنما يتم عبر دراسة
موضوعية لآيات القرآن وهداياته في هذا المجال.
وهناك علوم ودراسات قائمة
منذ القدم لكن المسار الذي تنتهجه يحتاج إلى تصحيح وتعديل، وإعادة تقويم، كعلم
التاريخ الذي أخذ منهجاً في سرد الوقائع والأحداث من غير تعرض لسنن الله في الكون
والمجتمع، علماً بأن هذه السنن قد أبرزتها آيات القرآن خلال قصصه بشكل واضح، وهناك
انحرافات مبثوثة في كتب التاريخ تخالف ما نص عليـه في القرآن الكريم، ولن يتم
تعديلها وتقويم مثل هذه العلوم إلا بطريق استقصاء منهج القرآن في عرضها ودراستها..[26]
3-
وفوائد التفسير الموضوعي:
1- أنه تفسير
للقرآن بالقرآن، فما أطلق في مكان منه قيد في مكان آخر وما ذكر موجزا في موطن منه
ذكر مفصلا في آخر.
2- الوقوف على عظمة القرآن الكريم من
خلال مواضيعه المتنوعة والتعرف على تشريعاته النيرة والمتعددة.
3- بيان ما تضمنه القرآن الكريم من
أنواع الهداية الربانية من خلال تلك المواضيع المتنوعة.
4- التخلق بأخلاق القرآن والانتفاع به
من حيث زيادة الإيمان.
5- التمكن من فهم القرآن الكريم فهما
جيدا.
6- الإطلاع على أساليب القرآن الكريم
المتنوعة.
7- جمع الآيات المتناثرة في القرآن
ذات الموضوع والهدف الواحد في مكان واحد ثم دراستها دراسة متكاملة.
8- الرد على أهل الأهواء والشُّبه
قديما وحديثا لكون دراسة مثل هذا النوع من التفسير يجمع شتات الموضوع الواحد ويحيط
بجميع أطرافه فيمكن دراسته والرد على الآخرين.
9- إزالة ما يوهم التعارض بين آيات
القرآن الكريم وتوجيه ذلك توجيها سليما.
10- حل مشكلات المسلمين المعاصرة
وتقديم الحلول لها على أسس حث عليها القرآن الكريم .
4-: ألوان التفسير الموضوعي، وأهم خطواته:
من خلال استعراضنا
لبعض ما أُلّف في هذا المنهج، ومن خلال ما نلحظه في التفاسير القديمة والحديثة،
وما كُتب في التنظير لهذا المنهج نستنتج ثلاثة أنواع من ألوان التفسير الموضوعي.
اللون الأول:
وهو ما يُعرف بالتفسير الموضوعي للَّفظة
القرآنية، وطريقته أن يتتبع الباحث لفظة معينة من القرآن الكريم، كالعقيدة، أو
الحب، أو الأمانة، أو الجهاد، أو النفاق...، فيجمع لها الآيات التي وردت فيها هذه
اللفظة من القرآن الكريم كله، سواء بلفظها أو بمشتقاتها، ثم يعهد الباحث إلى تفسير
هذه الآيات، مستنبطا من خلالها دلالات تلك اللفظة، واشتققاتها من خلال استعمال
القرآن لها، فتكتمل بذلك الصورة، حيث يُطلعنا ذلك على أساليب القرآن الكريم في
تعامله مع الألفاظ، واستخدامها في الموضع الأليق بها، دون تقديم أو تأخير.
وهذا اللون من
التفسير الموضوعي أشبه بما في بعض الدراسات السابقة، كالأشباه والنظائر، وغريب
القرآن، وغيرها.
وقد أورد الدكتور مصطفى مسلم بعض النماذج من
هذا اللون من التفسير، نكتفي بذكر أنموذجا واحدا لإيفائه بالغرض، حيث جاء في
كتابه: "مباحث في التفسير الموضوعي" تحت عنوان نموذج من كتاب:
"إصلاح الوجوه والنظائر" للدامغاني، ما يلي: «قال الدامغاني تحت مادة:
(خ ي ر)، (خير) على ثمانية أوجه:
المال، الإيمان،
الإسلام، التفضيل، العافية، الأجر، الطعام، الظفر والغنيمة.
-
وبمعنى الإيمان جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
عَلِمَ اللهُ فيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمِ﴾[28].
-
وبمعنى الإسلام جاء في قوله تعالى: ﴿مَا
يَودُّ الذِّينَ كَفَرُوُا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتاَبِ وَالمُشْرِكيَن أَنَ يُنَزَّلَ
علَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾[29].
-
وبمعنى الطعام في قوله تعالى: ﴿قاَلَ رَبّ
إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ منْ خَيْرٍ فَقِيرٍ﴾7.
-
وبمعنى الظفر والغنيمة، جاء في قوله تعالى:
﴿َوَرَدّ اللهُ الذِّينََ كَفَرُوا بِغَيْضِهِمْ لَمْ َيَنَالُوُا خَيْرًا﴾[33]»[34].
وهذه الأمثلة التي
سقناها من القرآن ليست وحدها التي جاء فيها الخير بهذه المعاني بل هناك آيات أخرى
أعرضنا عن ذكرها لعدم التطويل.
اللون الثاني:
ويسمى التفسير الموضوعي التجميعي، ويعرف أيضا
باسم التفسير الموضوعي لموضوع قرآني، حيث يختار الباحث موضوعا له أبعاده الواقعية
في الحياة أو العلم أو السلوك... مما يتعلق بأمور الناس، ويفيد البشر جميعا، وخاصة
المسلمين في حياتهم، ويشكل منه موضوعا يدرسه على ضوء القرآن الكريم من خلال آياته،
ويخرج بعد ذلك بخلاصة تساعد في فهم جوانب الموضوع، وتعطي حلولا للمشاكل المطروحة.
وهذا اللون هو الذي اشتهر بين أهل الاختصاص،
وإذا ما أطلق اسم التفسير الموضوعي، فلا يكاد ينصرف الذهن إلاّ إليه[35].
وفيه أن يقوم الباحث بجمع آيات تصب في موضوع
واحد، ويقوم بتفسيرها على ضوء ما تسمح به ثقافته، ثم ينسق بين معاني هذه الآيات،
ويقسمها إلى مقدمة، وصلب، وخاتمة، ويربط كل ذلك، بالواقع الذي انطلق منه، ليعود في
الأخير إلى استخلاص قواعد وحلول شاملة للمشكل المدروس.
وقد ألّف في مثل هذا النوع العلماء السابقون،
إذ يجمعون الآيات المشتركات في شيء واحد مثل الأمثال في القرآن، أو الآيات التي
اشتملت على الأحكام، أو ما جاء في الناسخ والمنسوخ، أو غير ذلك مما له رابط بعضه
ببعض، ولكنهم أوردوها ليقفوا على ما فيها، فلم يربطوا بينها ليستخلصوا موضوعا
واحدا بالصورة التي نعهدها اليوم في هذا المنهج، ولم يتجاوزوا الحديث عن مدلولات
ومعاني تلك الآيات واستخلاص مسائل جزئية، فضلا عن تقسيمهم لتلك المجموعات من
الآيات، لتشكل مقدمة وصلب موضوع، وخاتمة، بل جمعت بطريق آخر ورتبت إما ترتيبا
مصحفيا، أو بحسب المتقدم منها والمتأخر، لتخدم الغرض الذي جمعوا من أجله تلك
الآيات.
ولعل كثيرا من المؤلفين في هذا العصر قد دأب
على هذا الطريق، فكتبوا في هذا النوع، خاصة بعض الباحثين من طلاب في رسائلهم
الجامعية، وهي مواضيع منتشرة في المجلات والدوريات، مثل "حقوق الإنسان في
القرآن"، و"العِرض في القرآن"...وغيرها، وقد خطا هذا النوع خطوات
لا بأس بها، وهو في طريق النمو، والإزدهار.
اللون الثالث:
وهو التفسير الموضوعي الكشفي، ويسمى أيضا
التفسير الموضوعي للسورة القرآنية، أو الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، والذي
نتعرض له بالتفصيل في المبحث القادم، وهو أن يختار الباحث سورة من القرآن تكون
مدار بحثه، ويخرج منها بدراسة موضوعية متكاملة، كما فعل باقر الصدر عندما تناول
سورة البقرة، وسورة هود، ويونس، وسنذكر بعض من ألَّفَ في هذا النوع في الحديث عن
الوحدة الموضوعية ونشأتها.
وهذا اللون من التفسير الموضوعي لا يتجاوز
السورة الواحدة من القرآن، وطريقته أن يستوعب الباحث الموضوع الرئيس للسورة، وكذا
مواضيعها الجزئية، مستعينا في ذلك بعدة أمور، مثل ترتيب النزول، وأسبابه، وهل تلك
الآيات مكية أو مدنية، مع دراسة لأسلوب القرآن في تناول ذلك الموضوع، مع التركيز
على كشف ذلك الرابط الذي يجمع تلك الموضوعات الجزئية، وإبراز علاقتها بالموضوع
الرئيس للسورة، لتفسر تلك المجموعات وتلك المقاطع من الآيات بصورة عامة متكاملة،
بعد تقسيمها وترتيبها بحسب ما يقتضيه الموضوع، على أساس أن يخرج المفسر بعد
الدراسة بإحاطة وافية للموضوع، وإلمام تام بجوانبه، في شكل خلاصة يسهل فهمها،
والأخذ بها.
وقد شح هذا اللون من التفسير في كتب القدماء،
كما يخبرنا بذلك الدكتور مصطفى مسلم فيقول: «ولم يظفر هذا اللون من التفسير
الموضوعي بعناية القدماء، بل جاء في ثنايا تفاسيرهم الإشارة إلى بعض أهداف السور،
وخاصة القصيرة منها، وكذلك التوخي لوجه المناسبة بين مقاطع بعض السور، كما فعل
الفخر الرازي في تفسيره الكبير، وما فعله البقاعي في "نظم الدرر"، وعبد
الحميد الفراهي في كتابه: "نظام القرآن"»[36].
وهناك نوع آخر من التفسير
الموضوعي للقرآن الكريم متكاملا، حيث تتضافر جهود عدد من الطلبة للبحث في الوحدة
الموضوعية للقرآن الكريم، وإخراجه في صورة واقعية إلى حيز الوجود، وهي فكرة طيبة
تحتاج إلى من يتبناها، ويدعمها ويحوطها بالعناية، لتثمر وتزهر وتكون لبنة تضاف إلى
هذا المجال، كما قال الأستاذ باقر الصدر في مقدمات التفسير.
المبحث
الثالث: معالم التجديد في ربط منهج البحث في التفسير الموضوعي وتطبيقاته
1- ربط مناهج البحث بالاشكالات الفكرية الواقعية.
إن
جديد الدراسات الإسلامية مرتبط بمدى تطور بالزمان والمكان، والمستجدات المسجلة في
الدراسات الإسلامية منوطة بإشكالية المجتمع؛ لإصلاحها:
–إشكالية
المجتمع في عصر موسى عليه السلام هي الاستعباد والاستبداد والاستغلال، فانصبّ
الإصلاح لمعالجة هذا الموضوع.
–إشكالية
المجتمع في عصر إبراهيم عليه السلام هي تقديس التراث والتقليد، فاقتضى الإصلاح
تنوير العقول!
–إشكالية
المجتمع في عصر نوح عليه السلام هي الطبقية والكبرياء، فركز الإصلاح على الإيمان
والمساواة.
–إشكالية
المجتمع في عصر هود وصالح عليهما السلام هي الاغترار بالحضارة المادية،
والجبروتية، فلزم الإصلاح التذكير بنعم الله وضعف الإنسان .
-إشكالية المجتمع
في عصر لوط عليه السلام هي الانحراف الفطري، فاقتضى الإصلاح قلع ذلك!
–إشكالية
المجتمع في عصر شعيب عليه السلام هي الغش والخداع وتطفيف الكيل، فلزم الدعوة إلى
العدالة، وإحياء الضمير!
–إشكالية
المجتمع في عصر عيسى عليه السلام هي العنصرية والعرقية، فلزم الإصلاح بأن النجاة
في قبول الحق والإيمان لا العرق والنسب[37].
ووجود الإشكالية
هو سرّ التأليف في الفكر الإسلامي، فجمع القرآن زمن أبي بكر نابعٌ من إشكالية كثرة
وفاة الحفاظ، وإشكالية الجمع الثاني منبثق من فتنة اختلاف الناس في القراءة عصر
عثمان، وتدوين الحديث والسؤال عن الرجال ناشئ من شيوع الافتراء على الرسول صلى
الله عليه وسلم لإثبات الذات وتضليل الغير، وتدوين أصول الفقه نابع من فساد ملكة
الاستدلال، وتدوين علوم اللغة نابع من توسع دائرة الإسلام، وكتابة المقاصد منبثقة
من العكوف الحرفي على النص وتجاهل ما يسعى النص إلى تحقيقه، إوشكالية الترويج لفكر
ديني معين عامل انبثاق “نظرية الدين والتدين” وهكذا دواليك!
فالتجديد في
الدراسات الإسلامية منوط بالإشكالية القائمة في المجتمع، دون تجاهل طبيعة الفن وما
يهدف إليه، وإلا فأنت تكتب في مجال آخر.
إن أفضل منهج من
حيث التنظير للعلوم الاسلامية هو منهج الأنبياء فلقد حصر القرآن الكريم مهمة
الأنبياء في التبليغ، كما حدّد القرآن منهج الأنبياء في التعامل مع أقوامهم، ولعل
أهم هذه المناهج هي: المنهج الوصفي للبيان والتعليم، والتحليلي، والمقارن “أفمن يخلق كمن لا يخلق”. “إن مثل عيسى عند
الله كمثل آدم”، والاستقرائي، والنقدي، وكل ما يسهم في
البيان الإقناع وإعمال الفكر؛ لأن الفنّ من العلوم العقلية، فلجدلي: “وجادلهم
بالتي هي أحسن، “ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه”. والاستدلالي: “أم خلقوا من غير شيء أم هم
الخالقون” “أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت.” وغيرها..!
2-
أسباب إسهام منهج
التفسير الموضوعي في خدمة الجوانب الاجتماعية والتربوية .
وذلك
من خلال كيفية أو طريقة تناول هذا المنهج النصوص الشرعية سواء اللآيات أو للحديث
النبوي، ولقد ذاع صيت الحديث الموضوعي والتفسير الموضوعي في طريقة تناول مواضيع في
السنة النبوية أو من القران الكريم،.... وقد أولى اهتمام به كثير من العلماء
المتأخرون....وذلك من خلال استنباط الاحكام والحكم والدلالات والهدايات..كما رأينا
من قبل.
فإن
منهجية التفسير الموضوعي تقتضي الخروج بنظرية أو قانون كما ذكرنا في التعريفات
السابقة، وإن مبنى هذا المنهج القائم أساسا على علم المناسبات القرانية والتي من
خلالها يمكن الخروج بمعاني جديدة واستنباط أحكاما وهدايات في كل فصل وكل مبحث من
الدراسة، قابلة للتطبيق في واقع الناس، سواء في تصحيح المفاهيم أو في ترسيخ
الأخلاق، وضبط المعاملات،.... وهذا ما يميز التفسير الموضوعي عن التفسير التحليلي.
بالاضافة
إلى وجود أسباب كما قال مصطفى مسلم[38]
تجعل الحاجة الى منهج التفسير الموضوعي ضرورية، وهي:
السبب
الأول: مجاراة الأحداث والوقائع المتجددة في
حياة الإنسان: من المعلوم أن نصوص الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة
محدودة العدد...والأحداث والوقائع متجددة مستمرة، فمن
المستحيل أن نجد نصاً على كل حادثة في حياة الناس، ولكن النصوص الكريمة من الكتاب
والسنة قد نصت على المباديء والقواعد العامة التي يمكن استنباط الأحكام منها،
لتغطي هذه الحالات المستجدة. وهذا سر عظمة التشريع الإسلامي وخلوده واستمراره.
وإن إدراك مقاصد الشريعة الإسلامية من
خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، يعطي العالم الفقيه زاداً لا
ينفذ وثروة لا تنتهي، لمعرفة حكم الإسلام في كل قضية مستجدة. ولا يتم له ذلك إلا
عن طريق التفسير الموضوعي فالتفسير الموضوعي كما عرّفه بعضهم:هو علم يتناول القضايا حسب المقاصد
القرآنية من خلال سورة أو أكثر.
السبب
الثاني:
إن بعض القضايا المعاصرة تحتاج إلى قراءة جديدة
ورؤية مختلفة، وتصنيف آخر، مثل علم الاقتصاد الاسلامي، هل هو اقتصاد حر أو اقتصاد
موجه.قضية خلافية مشهورة.
يقول
الدكتور: مصطفى مسلم: "إن علم الاقتصاد والنظريات الاقتصادية المعاصرة تلعب
دوراً في تحديد مصير الأمم والشعوب، وقد شهد القرن الماضي
- القرن العشرون - إنهيار دول، وتخلف
دول عن ريادة التقدم الحضاري بسبب فشلها الاقتصادي وقفزت دول إلى مقدمة الدول التي
تسمع لها كلمة بسبب ازدهارها الاقتصادي.
لا يكفي
مطلقاً كلما قلنا الاقتصاد الإسلامي: أن نرجع إلى كتاب الخراج لأبي يوسف أو كتاب
الأموال لأبي عبيد"[39].
إن
الاقتصاد الإسلامي له ملامحه الخاصة كما هو الشأن في كل التشريعات الإسلامية، فلا
مكان للربا، ولا مكان للغش والخداع والاستغلال ولا مجال لإتلاف الثروات بقصد
الحفاظ على الأسعار العالمية المرتفعة.
إن صياغة
نظرية للاقتصاد الإسلامي، تحتاج إلى علماء راسخين في علوم الشريعة الإسلامية. وفي
نفس الوقت راسخين في علم الاقتصاد المعاصر. وعلى ضوء نصوص القرآن الكريم وهدايات
السنة النبوية المشرفة، ومقاصد الشريعة العامة، يستطيعون أن يحددوا معالم النظرية
الإسلامية في الاقتصاد[40].
هذه نماذج للعلوم التي فرضت نفسها في
واقع حياتنا، وتحتاج إلى تأصيل إسلامي لها.
السبب الثالث: تصحيح مسار بعض العلوم الإسلامية:
هنالك علوم إسلامية عريقة، وكتب فيها
الأوائل، ولكنها أخذت منحى معيناً يحتاج إلى تعديل في مساره، فمثلاً:
علم التاريخ: منذ أن كتب الواقدي
مغازيه والطبري تاريخه إلى عصور متأخرة جداً، والتاريخ يسجل الوقائع والأحداث،
وخاصة أحداث الخلافة، أو البلاط، والحروب والخارجين على الدولة وقمع الحركات. أي
الأوضاع السياسية والعسكرية في الدولة.
فيا ترى هل هذا هو التاريخ؟!.
إن النظرية القرآنية للتاريخ أشمل
وأعم من ذلك، القرآن الكريم يستعرض لنا سنن الله في المجتمعات لأخذ العظات والعبر
منها ولنتعرف على عوامل نهوضها وتقدمها ومقومات سعادتها، وربط كل ذلك بالإيمان
بالله واليوم الآخر.
المؤرخون يذكرون إلى يومنا هذا
الحضارة الفرعونية والرومانية وحضارة عاد بالاحقاف وثمود ومدين وصالح بالتعظيم.
لما تركت من آثار تدل على التقدم العمراني والهندسة المتطورة، ولكن نظرة القرآن
إلى مثل هذه الحضارات تختلف، إنها حضاراتٌ سخرت الطاقات البشرية والعلمية إلى
تقديس أفراد وتأليههم:
• الحضارة الفرعونية والاهرامات: ما نتائجها وما مردودها على
سعادة البشرية.
الفراعنة بنوا الاهرامات وأزهقت عشرات
الألوف من النفوس وأهدرت الأموال الطائلة لإقامة أضرحة للفراعنة ليُدفنوا فيها.
قارن هذا بحكم الإسلام في تسوية
القبور والنهي عن تجصيصها والبناء عليها.
• الرومان ومدرجاتهم: كانت لإقامة حفلات القياصرة بانتصاراتهم
على أعدائهم، ووضع الأسير في حلبة الصراع مع وحش مفترس جائع، والقيصر مع حاشيته،
يستمتعون بمنظر الوحش الكاسر والأسير الذي يتشبث بالحياة ليدافع عن نفسه.
السبب الرابع:
إن الدراسات حول الآيات القرآنية
المتعلقة بموضوع واحد كشفت لنا عن وجوه جديدة في الإعجاز القرآني.
فالدراسات التي أجريت حول دلالات
الآيات الكريمة في الرياح والسحب والأمطار والآيات التي تحدثت عن النبات
والثمار...والتي تحدثت عن حواس الإنسان، وعن النشأة الجنينية وغيرها..أبرزت وجوهاً
من الإعجاز القرآني في هذا العصر الذي تقدمت فيه هذه العلوم المادية لهذه الأسباب
وغيرها، نجد أن هذا اللون من التفسير، أعنى التفسير الموضوعي هو اللون السائد في
هذا العصر.
لئن كان التفسير يعكس ثقافة كل عصر
واهتمامات كل جيل من الأجيال من خلال الرجوع إلى القرآن الكريم لمعرفة هداياته في
حل مشاكل ذاك العصر.
الخاتمة:
في
الأخير نأتي لنضع خاتمة تلخص أهم النتائج المتوصل إليها وبعض التوصيات المهمة، نوجزها في نقاط محددة:
1-أقول
لا يخفى على أحد أهمية التفسير الموضوعي كمنهج يتناول قضايا القران من خلال سورة
أو أكثر للخروج بنظريات أو قوانين تضبط السلوكات وتعطي حلولا للمستجدات.
2-
الحاجة ماسة لتطوير وتعديل مسارات بعض العلوم الاسلامية، من حيث طريقة تناولها أو
من حيث التأصيل لها من خلال وضع آليات وكيفيات للوصول الى نتائج علمية
جديدة...صحيحة مرضية.
3-الحاجة ملحة لخلق مناهج جديدة منضبطة
ودقيقة للحيلولة دون الوقوع في الأخطاء والزلات، هذه المناهج تنبع من تراثنا ثم
تعود إليه لترفع من مستواه وتلبسه ثوبا قشيبا فيخرج في حلة سيراء.
4-أرى أن أوصي بتكاثف الجهود حول دراسات
التكامل المعرفي والدمج بين المناهج المختلفة وتفعيل بعض الجوانب فيها لا سيما أن
هناك تطورات علمية وأفق جديدة تكتنز حقائق علمية متنوعة ونحن بحاجة لإيجاد حلول
لبعض المسائل العالقة في المجتمع.
ثبت
المصادر والمراجع:
1)
القران الكريم،
برواية حفص عن عاصم.
2) لسان
العرب، جمال الدين ابن منظور، تحقيق: عامر أحمد حيدر، دار الكتب العلمية، الطبعة
الأولى، بيروت، لبنان، 2003م/1424هـ.
3)
معجم تهذيب
اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق: د. رياض قاسم، دار المعرفة،
الطبعة:1، سنة: (1422هـ/2001م)، بيروت، لبنان.
4)
تاج اللغة وصحاح
العربية، لأبي إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، دار إحياء التراث العربي،
الطبعة4، 1426هـ/2005م، بيروت لبنان.
5)
البرهان في علوم القرآن، للإمام بد ر الدين محمد بن عبد الله الزركشي،
تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى، (1376 هـ/ 1957م)، دار إحياء الكتب
العربية، عيسى البابى الحلبي وشركائه.
6)
كشاف اصطلاحات
الفنون، محمد علي الفاروقي التهانوي، تحقيق: لطفي عبد البديع، المؤسسة المصرية،
العامة، مكتبة النهضة العربية، الطبعة:1، 1382هـ /1963م.
7)
البحر المحيط،
علي بن يوسف أبي حيان الأندلسي، طبعة دار المعارف، 1995م.
8)
المفردات في غريب
القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سعيد كيلاني،
دار المعرفة، (دون تاريخ)، بيروت.
9)
مقدمة في التفسير
الموضوعي، محمد بن عبدالعزيز الخضيري، كلية المعلمين قسم الدراسات القرآنية.
10)
التوقيف على
مهمّات التعاريف، عبد الرؤوف المناوي، طبعة3، 1991م.
11)
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، محمد يوسف القاسم، الطبعة الأولى، سنة:
1401هـ/1981م، القاهرة.
12)
التفسير الموضوعي
نظرية وتطبيقا، أحمد رحماني، منشورات جامعة باتنة.
13)
دراسات في
التفسير وأصوله، محي الدين بلتاجي، دار الثقافة، الطبعة: 1، سنة: 1987م، بيروت.
14)
مقال للأستاذ:
محمد بن عبدالعزيز الخضيري، كلية المعلمين، قسم الدراسات القرآنية، بتاريخ: 05/02/2002م.
15)
مباحث في التفسير
الموضوعي، مصطفى مسلم، دار القلم، ط2، 1997م/1418هـ، دمشق.
16)
د.سيكو توري،
سجال منهج البحث العلمي الأمثل للدراسات الاسلامية، 14 يونيو 2016م، islam
on line، https://islamonline.net/17071.
17)
صطفى مسلم،
خاطرات حول التفسير الموضوعي للقران الكريم،
مؤتمر التجديد في مناهج التفسير، ماليزيا، تاريخ الإضافة: 7/11/2012 ميلادي - 22/12/1433 هجري. ماليزيا.
[1] - لسان
العرب، جمال الدين ابن منظور، تحقيق: عامر أحمد حيدر، دار الكتب العلمية، الطبعة
الأولى، بيروت، لبنان، 2003م/1424هـ، ج6، ص: 134.
[2] - سورة
الفرقان: آية 33.
[3] - معجم
تهذيب اللغة، لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تحقيق: د. رياض قاسم، دار المعرفة،
الطبعة:1، سنة: (1422هـ/2001م)، بيروت، لبنان. المجلد الثالث، ص: 2787.
[4] - حديث
رواه الترميدي، في سننه، باب: ما جاء في الإسفار، ج1، ص: 263، ورواه النسائي في
باب: الإسفار بالفجر، ج2، ص: 277، ورواه أحمد في المسند من طريق رافع بن خديج،
ج35، ص: 150/ج48، ص: 157/ ج48، ص: 172. وأخرجه = ابن أبي شيبة في مصنفه: ج1، ص:
345،355، 457، 478. ورواه الطبراني في المعجم: ج9/4/17، ص: 460،13،150. ورواه
البيهقي في الآثار، باب: الصبح، ج2، ص: 325.
[5] - تاج
اللغة وصحاح العربية، لأبي إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي، دار إحياء التراث
العربي، الطبعة4، 1426هـ/2005م، بيروت لبنان، الجزء: 2، ص: 589.
[6]-
البرهان في علوم القرآن، للإمام بد ر الدين محمد بن عبد الله الزركشي، تحقيق: محمد
أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى، (1376 هـ/ 1957م)، دار إحياء الكتب العربية،
عيسى البابى الحلبي وشركائه، ج1، ص: 147.
[7] - كشاف
اصطلاحات الفنون، محمد علي الفاروقي التهانوي، تحقيق: لطفي عبد البديع، المؤسسة
المصرية، العامة، مكتبة النهضة العربية، الطبعة:1، 1382هـ /1963م، ص: 33.
[10]- سورة:
الغاشية، الآية: 14.
[11]- سورة:
الرحمن، الآية: 10.
[13]- المفردات
في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد الراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سعيد
كيلاني، دار المعرفة، (دون تاريخ)، بيروت. ص: 526.
[15] - مقدمة في التفسير الموضوعي، محمد بن عبدالعزيز الخضيري، كلية
المعلمين قسم الدراسات القرآنية، ص: 20.
[16]- مجمع
اللغة العربية، (مصدر سابق)، ج: 2، ص: 1052.
[19] - تعني:
الدفاع.
[20]- التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، محمد يوسف القاسم، الطبعة
الأولى، سنة: 1401هـ/1981م، القاهرة، القسم الأول، ص: 7.
[23] - دراسات
في التفسير وأصوله، محي الدين بلتاجي، دار الثقافة، الطبعة: ،1 ص: 193 سنة: 1987م،
بيروت.
[26] - مقال
للأستاذ: محمد بن عبدالعزيز الخضيري، كلية المعلمين، قسم الدراسات القرآنية،
بتاريخ: 05/02/2002م.
[29] - سورة
البقرة: 105.
[32] - سورة
الحج: 36.
[33] - سورة
الأحزاب: 25.
[35] - المصدر
نفسه: ص: 28.
[37]- د.سيكو
توري، سجال منهج البحث العلمي الأمثل للدراسات الاسلامية، 14 يونيو 2016م، islam on line، https://islamonline.net/17071.
[40] - مصطفى
مسلم، خاطرات حول التفسير الموضوعي للقران الكريم، مؤتمر التجديد في مناهج التفسير، ماليزيا،
تاريخ الإضافة: 7/11/2012 ميلادي - 22/12/1433 هجري.
ماليزيا.


